المنجي بوسنينة
118
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الخلق تلطّفا فيتجلّى لهم ، ثمّ يتستّر عنهم تربية لهم ، فلو لا تجلّيه لكفروا جملة ، ولولا ستره لفتنوا جميعا ، فلا يديم عليهم إحدى الحالتين ، لكنّي ليس يتستّر عنّي لحظة فأستريح حتّى استهلكت ناسوتيتي في لاهوتيّته ، وتلاشى جسمي في أنوار ذاته ، فلا عين بل ولا أثر ولا خبر . اعلموا أنّ الهياكل قائمة بياهوه ، والأجسام متحرّكة بياسينه ، والهو والسين طريقان إلى معرفة النقطة الأصلية . . . يا أيّها الناس أغيثوني عن الله ، فإنه اختطفني منّي وليس يردّني عليّ ، ولا أطيق مراعاة تلك الحضرة وأخاف الهجران فأكون غائبا محروما ، واليوم لن يغيب بعد الحضور ويهجر بعد الوصل » . كان يردد أيضا : إنّ التعرّف إلى الله يجب أن يمحو عقليا في نفوسنا صورة الكعبة كيما نجد من أقامها ، وأن نحطّم معبد بدننا كيما نبلغ من جاء إليه يتحدّث إلى نبي الإسلام . في سنة 296 ه / 908 م انفجرت المؤامرة الإصلاحية التي قام بها أهل السنة وأقاموا خلافة حنبلية استمرّت يوما واحدا هي خلافة المعتز ، لكنّها أخفقت وعادت الخلافة إلى المقتدر ، وكان غلاما صغيرا مع وزير جديد هو علي محمد بن الفرات الذي شرع في البحث عن المكان الذي يستقرّ فيه الحلّاج آمرا بمراقبته ، كما أصدر تعليمات بالقبض على أتباعه وعلى الحلّاج نفسه ، لكن هذا الأخير نجا وذهب يختفي في بلدة السوس بالأهوار . في سنة 297 ه / 909 م رفع القاضي محمد بن داوود الظاهري أمام محكمة كبير القضاة ببغداد أمر الحلّاج مطالبا بقتله ، إلّا أنّ القاضي الشافعي ابن سريج عارض ذلك بقوله إنّ مثل إلهامات الحلّاج الصوفية لا تدخل في اختصاص المحاكم الشرعية . في سنة 299 ه / 911 م ، وهي السنة التي تأسّست فيها الخلافة الفاطمية ، قرّر الوزير ابن الفرات إلقاء القبض على الحلّاج وكان قد وشى بمكانه رجل من أهل البصرة ، ولكن الشرطة لم تتمكّن من القبض عليه إلّا سنة 301 ه / 913 م ، فحمل إلى بغداد وأركب جملا وشهّر به ونودي عليه بأنه أحد دعاة القرمطية ، ثمّ حبس وأخذ إلى الوزير علي بن عيسى الجرّاحي القنائي ليستجوبه وكان محبّا للصوفية ، كما كان أحد أعضاء وزارته حمد القنائي من أتباع الحلّاج فمنع محاكمته مستندا إلى فتوى القاضي الشافعي ابن سريج . عظم أمر الحلّاج من جراء جلده أمام هذه المحنة فزاد بذلك تخوّف أهل الحكم منه وبخاصة الوزير حامد بن العباس الذي كان ينهج خططا في تدبير الشأن العام وجمع الجبايات قرّبته من الخليفة المقتدر ، فأثار عنده قضيّة الحلّاج سنة 304 ه / 916 م ، ولكنّه لم يعد إلى فتحها خوفا من والدة الخليفة ( شغب ) الرومية التي كانت تعطف عليه . وخلال مدّة السجن هاته واصل الحلّاج الكتابة مركّزا على الدعوة لتوحيد طرق العبادة عند الإنسان وإمكان الاستعاضة عن الفرائض بشعائر أخرى . بقي الأمر كذلك إلى أن حلّت سنة 309 ه / 922 م فأظهر الوزير للخليفة الخطر العظيم للحلّاج إن هو بقي على قيد الحياة ، وأوغر صدره على علي بن عيسى لحمايته له ، فاستطاع حامد أن ينقل الحلّاج من السجن إلى داره مبالغة في التشديد عليه