المنجي بوسنينة

119

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

وطفق يسومه ضروبا من التعذيب . كان أوّل شيء فعله بعد قضائه على أحداث نشبت آنئذ أن دعا أحد كبار فقهاء الحنابلة هو أبو العباس أحمد بن سهل بن عطاء الصوفي صديق الحلّاج وتلميذه ليحمله على الشهادة ضد شيخه ، فأجابه بكل جرأة قائلا : ما لك وهذا ؟ عليك بما نصبت له من أخذ أموال الناس وظلمهم وقتلهم . اشتطّ حامد غاضبا آمرا الحارس ضرب « فكّيه » فضرب فكّيه ، ثمّ ردّد ابن عطاء : « اللهم إنك سلطت هذا علي عقوبة لدخولي عليه » فأمر حامد الحارس : « خفه يا غلام » فنزع الحارس خف ابن عطاء ، ثمّ قال له « دماغه » فأخذ الحارس يضرب رأسه بخفّيه حتّى سال الدم على أنفه وحمل إلى بيته ليموت بعد سبعة أيام . بعد فشل المحاولة مع ابن عطاء أحضر حامد قضاة وفقهاء وشهودا لاستفتائهم في قتل الحلّاج فاختلفوا في الأمر بين مؤيّد ومعارض . وأخذ يتحرّى ويستقصي حتّى وقع على كتاب للحلّاج عن الحج رأى فيه ضالته معتمدا عليه لتأليف هيئة محكمة من القاضي المالكي ابن عمرو الحمادي رئيسا ، ومن القاضي الحنفي أبي الحسين عمر بن الأشناني ، وحضر المحكمة رئيس الشهود القاضي عبد الله بن مكرم . وتقصّد الوزير أن لا يكون بين أعضاء المحكمة أي قاض حنبلي أو شافعي . وقد جرت المحكمة على منصّة مرتفعة في قصر الخليفة . وبعد مداولات مطوّلة دبّ الملل في القضاة وتلا رئيس المحكمة من كتاب الحلّاج عن الحج أنّ الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه ذلك له أن ينفرد في داره مكانا مطهّرا ينصب فيه ما يشبه الكعبة فيطوف حوله كما لو كان في مكة ، متسائلا عن مصدر ذلك ، أجاب الحلّاج أنه قرأه في كتاب « الإخلاص » للحسن البصري ، فأنكر أبو عمر وجود ذلك في الكتاب المذكور ، وأصر الحلّاج على قوله ، فانتفض القاضي ونهر الحلّاج قائلا : « يا حلال الدم » ، حين سمع الوزير حامد ذلك قال للقاضي « اكتب بهذا » وصدر الحكم بإعدام الحلّاج صلبا . ومؤكّد أنّ مستند الاتّهام لإثبات الزندقة والكفر لم يكن متضمّنا لهذه القضية وحدها ، وإنّما كان يتضمّن آراء وإلهامات حلّاجية منتزعة من سياقها المقولي أو النصّي ، من بينها : أنّ رسالة إبليس حين طلب منه الله تعالى السجود لآدم ، ورسالة محمد حين عرج به إلى السماء لم تكتملا لقصور في تصوّر طاعة الله وإدراك حقيقة إرادته الربّانية ؛ وأنّ الولي الصوفي يمكن باجتهاد منه استعاضة الفرائض بمسلكيات أخرى ، وأنّ هذا الولي هو الدليل الذاتي الحي الذي يشهد على وجود الله فيصبح « هو هو » أي اتّحاد اللاهوت بالناسوت . ولعلّ مستند الاتّهام كان يشتمل أيضا على عبارات شهيرة للحلّاج توحي بفكرة وحدة الشهود مثل : « أنا الحق » و « ما في الجبّة إلّا الله » . . . طبعا تتضمّن المؤاخذات نقد الخلافة والدعوة للإصلاح الاجتماعي والسياسي والثورة على الذين يمارسون القمع ويديرون الشأن العام بما لا يتوافق مع أصول العقيدة وأخلاقياتها . جرت محاولات لانقاذ الحلّاج تدخل فيها نصر القشوري ملتمسا الدعم من والدة الخليفة . وحين لمس حامد تردّدا من الخليفة