المنجي بوسنينة

117

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

للاعتكاف مدّة سنتين حيث توافد عليه المريدون الذين وصفهم بأصحابه وخلّانه ، ولعلّه في هذه الفترة كتب لهم رواياته السبع والعشرين التي تحتوي على أحاديث قدسية . في هذه الفترة ، أثار عليه حفيظة الصوفية فنبذ الخرقة قاطعا معهم كل اتّصال ، يبدو أنّ مردّ ذلك لاقتناعه حين إقامته بمكّة بأن إصلاح الأمة لا يمكن أن يكون بالحرب الدينية لكن عن طريق الصلوات والمجاهدة . انطلاقا من تستر قام الحلاج بأسفار عدّة لمدّة خمس سنوات زار أثناءها خراسان وفارس وهناك حمل لقب الحلاج . وفي حمله لهذا اللقب أقوال ، منها أنّ أباه كان يعمل في حلج القطن أي فصله عن الخبّ ، ومنها أنه سمي بحلاج الأسرار لكشفه عن حقائق الموحّدين المحبين لله ، ومنها ما يطغى عليه طابع الخيال ، فقد سأل مرّة أحد الحلاجين وهو في واسط أن يعينه على بعض شغله فقال له الرجل : أنا مشغول بصنعتي ، فاقترح عليه أن يذهب لقضاء شغله حتّى يعينه في شغله ، فغاب الحلاج عن حانوته ولما عاد وجد القطن كله محلوجا ، تعجّب الرجل للأمر وخاطب صاحبنا بقوله : أنت حلّاج متقن للمهنة ، ومن تلك اللحظة غلب عليه اسم الحلّاج . في سنة 291 ه / 903 م قصد مكة في حجّة ثانية مع أربعمائة من أتباعه ثمّ عاد بأهله إلى بغداد واستقرّ بها بدعوة من الوزير حمد القنائي وشرع في كتابة أولى نصوصه ، كما تصدّر في نفس الوقت للوعظ وخدمة القوم ومساعدتهم على قضاء أغراضهم فعظم أمره بين الناس وبخاصّة بين الشيعة ، حينئذ توجّس بعض قادتها خيفة من الحلّاج وتحوّلوا إلى خصوم له يتقوّلون عليه الأقاويل وينسبون إليه السحر والشعوذة حتّى افترق الناس عليه . في هذه الأجواء المتوتّرة قرّ عزم الحلاج على أن يحمل عصا الترحال في أرض الله الواسعة فبدأ رحلة طويلة إلى الهند بحرا ووصل إلى تركستان ونهر السند وكشمير وصولا إلى ماصين من أطراف الصين اكتسب منها معارف كثيرة ، وازداد تعمّقا في الحقائق ومسالك الحكمة ، كما اطّلع على الرياضات الجسمية والنفسية مواصلا الكتابة والوعظ ، وهناك حمل لقب أبو المغيث . من بين أخبار هذه الرحلة أنه في نهاوند سمع ذات يوم صوت أبواق رأس السنة فسأل : أيّ شيء هذا ؟ أجابه ابن فاتك من أتباعه أنه يوم النيروز ، فتأوّه الحلاج وقال : متى ننورز ؟ بعد ثلاث عشرة سنة ذكّره أحد تلاميذه أثناء صلبه بذلك سائلا إياه : أيّها الشيخ هلّا أتحفت ؟ أجابه : بلى أتحفت بالكشف واليقين ، وأنا مما أتحفت به خجل غير أني تعجّلت الفرح . في سنة 294 ه / 906 م حجّ الحلّاج حجة ثالثة وأخيرة عاد بعدها إلى بغداد ، فكان يخرج نهارا إلى ساحات المدينة ويصرخ بإلهامات في صيغة نداءات حرّى إلى الناس من قبيل : « يا أهل الإسلام أغيثوني فليس يتركني ونفسي فآنس بها ، وليس ياخذني من نفسي فأستريح منها ، وهذا دلال لا أطيقه ، اعلموا أنّ الله أباح لكم دمي فاقتلوني ، اقتلوني تؤجروا وأسترح ، ليس في الدنيا للمسلمين شغل أهمّ من اقتلوني وتكونوا أنتم مجاهدين وأنا شهيد » . كما كان يردّد : « أيّها الناس ، إنه يحدث