المنجي بوسنينة
104
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
هذه المراحل المختلفة من تداخل ، ثم إنه من الصعب أن نتصور أن كاتبا ما يستطيع أن يعدل جوهريا ، ولمرات عديدة في حياته ، وجهة بحثه الأدبي ، فكأنما الأقسام التي ارتآها هؤلاء النقاد تبقى على مستوى سطح النصوص . مع أننا نلاحظ أن عناوين مؤلفات توفيق الحكيم وهيكلها الداخلي تدل على وحدة واضحة وهي انشغاله بالموت والانبعاث . وتتضمن هذه الفكرة جوانب متنوعة وتتداخل بالتالي بأغراض أخرى ، فكل شخصية تعبر عن تصورها للموت والانبعاث بكل حرية ، حسب طبيعتها ، ولكن من غير الممكن ألا تكون للمؤلف رؤية خاصة به . والواقع أن توفيق الحكيم يرفض مشاطرة إحساس الكثير من الناس بالضياع الذي يصيبهم أمام الموت ، ويتأكد لنا هذا عندما نراه يحرر مع صديقه طه حسين كتابا ذا نغمات سريالية ، يتداول عليه كل منهما بكتابة فصل من فصوله ، كانت فيه شهرزاد العقدة . فإذا بالشخصيات قد دعيت للخروج إلى الصيد ، ولم يكن بإمكانهم رفض الدعوة ، وينكشف لنا الأمر ، فإذا بها دعوة إلى الموت [ القصر المسحور ، 12 ] . ولا نهمل رفض توفيق الحكيم القطعي لحياة بلا حركة ولا عمل ، فيعيش المؤلف ، في حياته وأعماله الأدبية ، صراعا عميقا جدا بين أصله العربي الإسلامي وتكوينه العصري الغربي ليجد الحل النهائي بالرجوع إلى ماضيه الفرعوني الأبعد . أولى توفيق الحكيم مكانة في كتاباته للبعد الإسلامي ، مصطبغا بطابع طبقي ، وهو طابع الطبقة البورجوازية المتوسطة . وهذا البعد العربي الإسلامي واضح في علاجه ظواهر تسبق الموت كالمرض والشيخوخة والاحتضار وحتى وصف « حدث » الموت . وكذلك في تقديمه الميتات العنيفة سواء أكانت سلبية ، ونعني بها القتل لمختلف الأسباب ( اقتصادية أو سياسية أو دينية أو فنية أو عاطفية ) من أجل الانتقام أو بسبب الحرب ، أم إيجابية كما هو الحال في الشهادة . فيعتبر الموت انقطاعا عن الحياة ومنحى ، يفضي إلى الفلاح والفوز بالجنة بالنسبة إلى الذين عبروا الموت . فنظرا لما للتراث العربي الإسلامي من أهمية عند توفيق الحكيم وجدنا أن الموت ينفتح على عالم بعد هذا العالم معروف نسبيا إن لم نقل شائعا ، إذا ما اعتمدنا على القرآن الكريم ، ولكن إذا ما استطعنا تفسير أحد جوانب أعمال توفيق الحكيم بذلك ، فإنه يتبين لنا أن هذا الكون - كون المؤلف - لا يقتصر على هذا الحل السائد الوحيد . بدا تأثير الغرب الحديث واضحا في إنتاج توفيق الحكيم خاصة بعد مرحلة دراسته للحقوق وإقامته مرتين بباريس ، ظهر ذلك في مجموعة من ردود الفعل كاللامبالاة والنسيان والانسياق إلى التلاشي والعدم . إن الموت الحيواني ومفاهيم كمفهومي النوم والراحة ، أو مفهومي الزمن والخلود ، قد أدت إلى تصور آخر للموت عند الكاتب وهو الموت بدون إله . أثّر القانون الغربي في المجتمع المصري التقليدي من خلال قضيتين وهما الانتحار والإعدام . فحاول توفيق الحكيم أن يجد تناسقا بين هذين النوعين من التأثيرات - الشرق والغرب - باختراع مفهوم التعادلية ( 1955 ) ، حيث يحدد آراءه عن الحياة والفن .