المنجي بوسنينة
62
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
بريطانيا ليعمل طيلة خمس سنوات أستاذا للغة العربية في أكسفورد . وعندما عاد إلى مصر عمل مفتّشا للغة الإنجليزية ، وهو الشيخ المعمّم ، وألّف كتابا في التربية كان من أوائل ما كتب في التربية كعلم في الوطن العربي ، لكن طوفان السياسة جرفه ، فاستقال من وزارة المعارف عام 1908 ليرأس جريدة الحزب الوطني بعد أن توفّي زعيمه مصطفى كامل وتولّى محمّد فريد الرئاسة بعده ، وطوال هذه الفترة كان حريصا على أن يسيّر الجهاد والنضال على ساحتين ، الأولى ، الكلمة الحرّة يكتبها في الصحف دون أن يخشى في الحق لومة لائم ، ممّا جرّه عدّة مرّات إلى تقديمه للمحاكمة وكثرة الإنذارات ، وسجن ثلاثة شهور نتيجة إحدى هذه المحاكمات ؛ الساحة الثانية هي العمل على إعادة بناء الشخصية لأبناء الأمّة عن طريق التربية والتعليم . واحتلّت قضيّة التعليم مكانا بارزا في كتاباته في صحيفة « اللواء » ، حتّى أنه كان يوجّه النقد المرير إلى وزارة المعارف التي كان يرأسها الزعيم الشهير سعد زغلول . ونتيجة الحرب الضارية التي كانت تشنّ ضدّه ، اضطرّ إلى الخروج من مصر ، ليعيش خارجها منفيّا إلى عام 1923 م . الميزة الكبرى في جاويش حقّا أنه مع اهتمامه الاهتمام الشديد بالشأن السياسي نظرا لظروف الاحتلال الإنجليزي لمصر ، كان يعي تمام الوعي بأنّ تربية الأمّة وتعليم أبنائها هو طريق أساسي لا بدّ منه حتّى يمكن كسر شوكة الاحتلال ، فضلا عن قناعته بأنّ المسألة ليست مجرّد كمّ من المعلومات يحصّله التلاميذ ، وإنّما هو تربية بالدرجة الأولى تتّجه إلى التنمية المتكاملة الشاملة للشخصية ، ممّا جعله يلحّ في كثير ممّا كتب على التفرقة بين التربية والتعليم ، وضرورة ألّا نقنع بانتشار التعليم ، وإنّما لا بد للتعليم حتّى يؤتي أكله أن يقترن بجملة تغييرات في الشخصية وفي التفكير ، فبذلك تنهض الأمم . كان كتابه الذي ألّفه عام 1903 بعنوان « غنية المؤدّبين » معلما بارزا على طريق الفكر التربوي العربي في العصر الحديث ، أراد به أن يكون مرشدا للمعلّمين في تعليمهم التلاميذ ، وفي تربيتهم لأبناء الأمّة ، ولذلك فإنّ الكتاب إذا كان قد تناول مسائل تربويّة فنّية مثل تحضير الدروس ، وطرق التدريس ، وعمل الزوايا والجوانب التي أصبحت فيما بعد تشكّل ركنا أساسيّا من أركان علم النفس ، حيث إنه لم يكن قد عرف الاستقلال المعرفي بعد ، بل كانت موضوعاته ومباحثه متضمّنة ضمن الموضوعات التربوية . ولعلّ ما انفرد به هذا الرجل حقّا أنه لم يقف عند حدّ التنظير بالكتابة ، بل كان رجل عمل وفعل ، وهكذا أنشأ مدرسة إعدادية بالدرب الأحمر بالقاهرة داعيا الأهالي أن يرسلوا بأبنائهم للالتحاق بها ، وكان يقوم بنفسه بالتعليم ، ولم تكن المدرسة من تلك المدارس النظامية المعروفة ، بل كانت شكلا من أشكال التعليم غير النظامي . وساهم من خلال الحزب الوطني في إنشاء عدد من المدارس أطلق عليها اسم « مدارس الشعب الليليّة » التي أنشأت كصورة من صور تعليم الكبار من أجل العمال الذين يقضون جل نهارهم في كسب الرزق فتفوتهم فرصة