المنجي بوسنينة
63
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
التعلّم ، فتجيء هذه المدارس لتعوضهم فتتيح لهم فرصة التعليم ، بل لقد كان يجوب المواقع الاجتماعية والفردية المختلفة بهدف جمع تبرّعات من أجل إنشاء مدارس أوّليّة توفّر فرصا لتعليم أبناء الفقراء ليفوت بذلك على الاحتلال البريطاني أغراضه في التضييق على المصريين حتّى لا ينالوا ما يرغبون من التعليم . وإذا كان الحديث قد كثر عن عدد من الأمراض الاجتماعية والنفسيّة التي أصابت البعض نتيجة سنوات التخلّف والجمود ، وبفعل الاحتلال ، فإنّ الطريق للتغلّب على مثل هذه الأمراض وصور الخلل إنّما يكون بنشر معاهد التعليم ، وتحسين مفاهيم وأساليب التربية ، والسعي الحثيث لإحداث تغيير جذري في مفاهيم وأساليب التعليم المطبّقة في معاهد وزارة المعارف لأنّها وضعت وكيّفت بحيث تخدم أغراض الاحتلال . وإذا كان جاويش لم يمكث طويلا للتعلّم في الأزهر ، إلّا أنّ هذا كان دافعا له إلى أن تشغل قضيّة إصلاحه مكانا مرموقا في سلسلة كتاباته ، خاصّة وأنّه كان يشهد محاولات متعدّدة من أجل النهوض به بعد سنوات طويلة من الجمود والتأخّر . بل لقد بلغ حبّه ورغبته في تطوير الأزهر وإصلاحه حدّا جعله يحثّ عددا غير قليل من طلّابه على أن يلتحقوا بالمدرسة التي كان قد أنشأها حتّى تتاح لهم فرصة التزوّد بقدر من العلوم الحديثة ، فتتنوّر عقولهم وتتهذّب أخلاقهم ويكونون على صلة بمتغيّرات العصر ومستقبل الأمّة . ووصل به الحماس حدّ جمع تبرّعات كثيرة من أجل إعداد بعثة من طلاب الأزهر يذهبون من خلالها إلى بعض البلدان الأوروبية ليعودوا بعد ذلك إلى بلدهم ، وقد وقفوا على صور جديدة من المعرفة والتربية ، فيكونون قوّة تجديد ونهوض . وقد أكّد الدكتور طه حسين في مذكراته على فضل جاويش عليه وعلى كثيرين ممّن كانوا في مراحل تطوّرهم الأولى ، حيث دفعه وشجّعه على أن يقف وسط الجمهور لأوّل مرّة ليقدّم بعضا ممّا فكّر فيه وطرقه من موضوعات اجتماعية وأدبيّة ، فضلا عن تشجيعه على الكتابة لأوّل مرّة في المجلّات ، عندما أنشأ مجلّة باسم « الهداية » . ولعلّ أبرز التجديدات التي قدّمها جاويش إلى الفكر التربوي ، هو تلك المدرسة التي أسماها « المدرسة العاملة » بهدف توثيق عرى الترابط بين النظر والعمل ، فلقد غلب على معاهد التعليم الطابع النظري التجريدي حتّى أصبح التعليم بعيدا عن حركة الواقع ، وحرم الواقع من أن يلتحم بالعلم فتأخّر وتخلّف في بلادنا ، فجاءت فكرة هذه المدرسة لتجمع عددا من العمال أيّا كان سنّهم . وتقدّم لهم صورة من التعليم ذي الصلة بواقع حياتهم ومعاشهم فيشعرون بقيمته والحاجة إليه . وبحكم نظرته الشموليّة المتكاملة كان من الطبيعي أن يولي قضيّة تعليم المرأة اهتماما ملحوظا . وعلى الرغم من بدء تشجيع الحكومة لتعليم البنات بفتح المدارس إلّا أنّه أخذ على هذه المدارس أنّها تضمن برامجها من الموضوعات ما لا صلة وثيقة له باحتياجات المرأة المسلمة ، فضلا عن حرصها على التربية بأسلوب يجنح إلى تعويد