المنجي بوسنينة
325
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
صورة حسنة ، فقال أبو جعفر للّذي رآه : « بشّر أصحابي وكلّ من قرأ قراءتي أنّ اللّه قد غفر لهم وأجاب فيهم دعوتي ، ومرهم أن يصلّوا هذه الرّكعات في جوف اللّيل كيف استطاعوا » . وقد نقل القراءة عن أبي جعفر تلاميذ كثيرون ، كان لهم شأنهم في القراءة والإقراء . ومن أهمّهم نافع بن أبي نعيم علم القراءة في المدينة بعد أبي جعفر ، وأوّل القرّاء السّبعة ، فنافع من دلائل أستاذيّة أبي جعفر ، ومنقبة له حيث قرأ نافع بقراءة أبي جعفر ، وأقرأ بها ، ورواها عن نافع جماعة ، منهم قالون تلميذ نافع ، كما تتلمذ على يد أبي جعفر القارئ اللّغوي ، رأس المدرسة البصريّة ، وأحد القرّاء السّبعة أبو عمرو بن العلاء العربي الصّريح ، وهذا ممّا يكشف عمّا كان يتمتّع به أبو جعفر في نفوس معاصريه ، وما كانوا يستشعرونه تجاه قراءاته . ومن تلاميذ أبي جعفر كذلك ، سليمان بن مسلم بن جمّاز الّذي يعدّ من أشهر الرّواة عن أبي جعفر . ومنهم عيسى بن وردان الحذّاء ، وهو من أشهر رواة أبي جعفر . هذا ومن تلاميذه أيضا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي ، وعبد العزيز محمد بن عبيد بن أبي عبيد بن الداروردي ، ومالك بن أنس فقيه دار الهجرة . ولأبي جعفر تلاميذ نقلوا عنه الحديث ، منهم مالك بن أنس ، وعبد العزيز بن أبي حازم ، وأبو حازم سلمة بن دينار . أمّا عن مكانة قراءة أبي جعفر بين القراءات ، فأوّل ما يذهب إليه الذّهن أنّ كتاب السّبعة لابن مجاهد ، وهو أوّل من اقتصر على سبع قراءات ، قد خلا من قراءة أبي جعفر ، وذكر من قراءة المدينة نافعا وجعله أوّل السّبعة ، وما ذلك إلّا لإيثار ابن مجاهد الشّهرة والإجماع على القراءة ، فقدّم نافعا لكثرة من روى عنه ، وأخذ وقرأ وتابع هذا القارئ العظيم . فإذا كان نافع قد نال حظا واسعا من الشّهرة ، ونصيبا وافرا من ذيوع الصّيت وكثرة الأتباع ، فإنّ ذلك لا يقدح في صحّة قراءة أبي جعفر ، فابن مجاهد حين اختار نافعا وحده من المدينة ، كان قد اشترط الأشهر مع صحّة قراءة كثير من القرّاء غير السّبعة ، فلم يكن مراد ابن مجاهد الغضّ من شأن ما عدا السّبعة ، أو الطّعن في صحّة قراءتهم ، ودليل ذلك كثرة من قرأ لأبي جعفر من معاصري ابن مجاهد ، وهذا يدلّ على أنّ معاصري ابن مجاهد لم يجدوا أيّ حرج في ألّا يتقيّدوا بتلك القراءات السّبع الّتي جمعها . ثمّ توالت المصنّفات في القراءات ، حيث أخذت قراءة أبي جعفر ، تتبوّأ مكانها في مصنّفات القراءات العشر ، منذ القرن الرّابع حتّى القرن التّاسع ، في مصنّفات ابن الجزري . وقد عدّد لنا ابن الجزري عددا هائلا من العلماء ، الّذين كانوا يقرأون بالقراءات الثّلاث المتمّمة للعشر ، ومنها قراءة أبي جعفر من لدن ابن مجاهد حتّى عصر ابن الجزري نفسه ، حتّى قسّمهم إلى ستّ عشرة طبقة ، وهؤلاء الّذي اقتصر عليهم ابن الجزري هم الّذين تحقّق أنّهم قرأوا بها ، ويتبيّن من ذلك