المنجي بوسنينة

310

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

سيرا على سنّة أسلافه في التعامل مع أئمة أهل البيت ، كما كان يسلك أبو جعفر المنصور مع الإمام جعفر الصادق ( 148 ه ) في تشديد الرقابة عليه والترصد له ، وكما سلك الرشيد مع الإمام موسى الكاظم ( 183 ه ) ، حيث احتجزه في بغداد سجينا ، حتى مات في سجنه . وقد اتخذه المأمون ، حين رأى علمه وفضله وزهده ، مستشارا له في أمور الناس والدولة ، كما يتضح مما نقله الطبري في حوادث سنة 202 ه ، ووثّق علاقته به فزوّجه ابنته أم حبيب كما زوّج ابنه محمدا الجواد ( 220 ه ) ابنته الأخرى أم الفضل [ تاريخ الطبري ، 7 / 149 ] . وحين خرج زيد أخو الرضى بالبصرة ودعا لنفسه وجّه إليه المأمون أخاه الرضى ليردّه إلى الطاعة ، فسار إليه وقال له : ويلك يا زيد ، فعلت بالمسلمين ما فعلت وتزعم أنّك ابن فاطمة ؟ ! ينبغي لمن أخذ برسول الله أن يعطي به . وحمد له المأمون موقفه وتأثر به كثيرا [ وفيات الأعيان 3 / 217 ؛ شذرات الذهب 3 / 14 ] . وكان المأمون - كما يروى - قد نظر في بني العباس وبني علي فلم يجد أحدا أفضل من الرضى ولا أعلم ولا أورع ، فعهد إليه بولاية العهد ليكون خليفة بعده ، وسمّاه « الرضى من آل محمد » وأمر بطرح السواد ولبس الثياب والشارات الخضر ، وذلك في مطلع رمضان سنة 201 ه ، وكتب من مقره في مرو بخراسان إلى قائده الحسن بن سهل وإلى ولاته عامة بأخذ البيعة له ، كما ضرب اسمه على النقود [ وفيات الأعيان 3 / 269 ؛ البداية والنهاية 10 / 270 ؛ الكامل 6 / 326 ] . ويروى أن الإمام الرضى أبى قبول ذلك فتهدّده المأمون قائلا : إنّ عمر جعل الشورى في ستة آخرهم جدّك ، وقال : من خالف فاضربوا عنقه ، ولا بدّ من قبول ذلك . فقبل ، وبايع له المأمون والعباس بن المأمون . ثم دعاه المأمون للخطبة فأوجز [ الإمام جعفر الصادق 99 ] وكأنه كان يعلم دنوّ أجله . وكأن الرضى يستلهم سيرة آبائه وأجداده في عزوفهم عن طلب السلطة متمثلا بقول أبيه موسى الكاظم لهشام بن الحكم ( 179 ه ) وهو من كبار أتباعهم في الكوفة : « يا هشام كما تركوا لكم الحكمة اتركوا لهم الدنيا » . وبقول جدّه جعفر الصادق : « الفقهاء أمناء الرسل ، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلى السلاطين فاتّهموهم » [ حلية الأولياء 3 / 194 ؛ تهذيب الكمال 1 / 473 ] . وقد أثار قرار المأمون السخط في البيت العبّاسي ببغداد واندلعت حالة من التمرّد على الخليفة وعلى قراره ، فخلع وبويع لعمّه إبراهيم بن المهدي الذي أعلن نفسه خليفة في عاصمة الدولة ، وبقي على ذلك أكثر من عامين انتهت بعودة المأمون من خراسان ودخوله بغداد وفرار إبراهيم متخفّيا ، وذلك عام 204 ه . حين عزم المأمون على العودة إلى بغداد أواخر عام 203 ه سار إلى طوس وأقام عند قبر أبيه الرشيد أياما ، ومعه الرضى ، لكن المنيّة ما لبثت أن عاجلت الإمام فجأة في رمضان وقيل في آخر صفر ، وهو بعيد ، لأن صفر أوائل العام لا آخره ، وكان المأمون قد عزم على التوجه إلى بغداد أواخر عام 203 ه ودخلها أوائل عام 204 ه آخر صفر . ويذكر أن