المنجي بوسنينة

277

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

نعرف عن نشأته الأولى ما يساعدنا على الإلمام بأطوار طلبه للعلم في بلده ، لكنّ ابن عبد الملك في كتابه « الذيل والتكملة » أفرد له ترجمة طويلة كشفت عن جوانب هامّة من نشاطه العلمي في المراحل اللاحقة . طوف أبو موسى الجزولي في الآفاق سعيا وراء طلب العلم ، فحلّ بالديار المقدّسة لأداء فريضة الحجّ ومنها ذهب إلى مصر ودرس على شيوخ أجلّاء ، نذكر منهم : ابن بري رئيس النحويين بمصر ، وهو أجلّ شيوخه في العربيّة ؛ وأبو المحاسن مهلّب بن الحسن بن بركات المصري ؛ وأبو محمد الحجري شيخ القراءات والحديث . وروى بالإسكندرية عن السلفي أبي حفص التميمي . ثمّ اتّجه إلى بجاية ويمتاز مقامه بها بدورين : الأوّل دور التلميذ ، فقد أخذ بها على أبي عبد الله بن إبراهيم أصول الفقه ، ولزمه حتّى أتقنه ، والثاني دور الأستاذ ، إذ درّس بها مدّة إقامته العربية ، وانتفع به خلق كثير ، ومن أشهر تلاميذه : ابن معطي صاحب « الدرّة الألفيّة » . ثم رحل إلى المريّة فكتب بها زمانا ، وأخذ عن جماعة من أهلها ، ونشر علما كثيرا في طريق عودته إلى المغرب بإفريقية والأندلس ، وتخرّج عنه الكثير من نحاة هذا البلد . أنهى أبو موسى الجزولي رحلته وتنقّله في الغرب الإسلامي ، وفضّل الإقامة بقيّة حياته بمرّاكش بعد أن سلخ من عمره نصف قرن أو يزيد ، ومرّاكش في أوج ازدهارها السياسي والحضاري والثقافي ، كما كانت عاصمة الموحّدين ، أعني عاصمة المغرب ، والأندلس ، والجزائر ، وتونس ، وطرابلس الغرب . وفي ضوء تفاعل أبي موسى مع البيئة الجديدة ، وعلاقته مع عناصرها ، نقسّم هذه الفترة الأخيرة من حياته إلى مرحلتين : المرحلة الأولى : مرحلة الحياة العامّة التي انتصب فيها لتدريس العربيّة . ولمّا اشتهر أمره ، وعرف قدره انثال الطلبة على مجالس من المغرب وخارجه ، حتّى ضاق بهم ذلك المسجد الذي كان يدرّس فيه ، فانتقل إلى مسجد ابن الأبكم لما كان عليه من حسن الإلقاء ، ودقّة الفهم ، وغزارة المادّة النحويّة والعربيّة . المرحلة الثانية : لم يكد الجزولي يستقرّ بمرّاكش ، ويمارس نشاطه العلمي في مراكز الثقافة العامّة حتّى اهتمّ به الخليفة المنصور الموحّدي فسلّط عليه أعوانه لمراقبة أحواله ، والكشف عن باطن أمره ، ولمّا تأكّد ممّا هو عليه من الدّين والزهد ، والتقشّف ، والإعراض عن الدنيا ، والانقطاع إلى العلم وأهله ، وابتعاده عن مخالطة الأمراء والولاة ، وأصحاب الجاه ، قرّر إجباره على الدخول في « حضرته » ليجعله أحد عناصر تلك البيئة ، وقد قدّمه المنصور إلى « الطلبة » بالجامع الأعظم ، وأسند إليه الخطبة به ، وكان يعتقد فيه الخير التامّ ، فأوصى بأن يغسله عند موته تبرّكا به ، فكان الأمر كما أراد . وبعد وفاة المنصور أكرمه ابنه الناصر ، واستصحبه في أسفاره ، وتبرّك بلقائه إلى أن وجّهه رسولا ومصلحا في قضيّة بين صنهاجة الساكنين بأزمور ، فتوفّي هناك ودفن بتربة الشيخ الفاضل أبي شعيب الصنهاجي المعروف ب « السارية » .