المنجي بوسنينة

274

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

وكانت آسفي من المدن الأولى التي ظهر فيها نفوذ الجزولي . ساعد على ذلك استعداد أهلها لتقبّل الطريقة . فقد عرفت فيها قبل طريقة أبي محمد صالح . وبالقرب منها كان رباط كوز هرتنانة ، هذه الزاوية التي كانت تعرف تعاليم الشاذلية . فشيخها أبو سعيد عثمان الهرتناني هو شيخ أبي عبد الله محمد الصغير امغار الذي أخذ عنه الجزولي ؛ إضافة إلى وقوعها في منطقة عند مصب تانسيفت بالقرب من المدينة . لهذا بلغ مريدوه بها خمسة وستين وستّمائة واثني عشر ألفا ، الشيء الذي جعل السلطات المرينية تتضايق منهم ، خاصّة أنّ الفترة كانت فترة ضعف السلطان المركزي بفاس مع ما يترتّب على مثل هذه الحالة من ظهور الدويلات الطامعة في الحكم . فأمره الوالي بمغادرة المدينة . وسيكون مصير الجزولي متشابها في كل المدن والقرى التي سيزورها ولنفس الأسباب . بل لقد ازداد مريدوه وأنصاره بعد انتشار خطر الاحتلال الأجنبي للشواطىء المغربية ، ويأس الناس من قدرة الدولة الحاكمة الضعيفة على مواجهة الأحداث . ففي ماسة بسوس تم إجباره بعد فترة قصيرة من حلوله بها على الخروج ، فنزل بأفوغال من بلاد الشياظمة ، وتمكّن روبير مونتاني Montaigne ، وبيير دوسنفال Pierre de cinval من التعرّف إلى هذه القرية التي صارت تعرف باسم « أحد الدرا » . وفيها اتّجه نحو التعليم وتربية المريدين ، وقضى زهاء سبع سنوات بينهما وبين « تازروت » فكثر أتباعه وتلامذته بهما ، وكانت نهايته أن سمّه حكامها بعدما تضايق منهم . وقد وقع الاختلاف حول تاريخ مقتله إذ جعلوه بين تسع وستين وثمانمائة 869 ه وخمس وسبعين وثمانمائة 875 ه ، ويرجح زروق سنة سبعين وثمانمائة لأن الفقيه أبا عبد الله محمد بن قاسم القروي تلقى سؤالا في شأن عمرو المغيطي الذي قام بعد مقتل الجزولي طالبا بثأره . وبما أنّ القروي قد توفّي سنة اثنين وسبعين وثمانمائة [ فهرس ابن غازي ] فإن الشيخ يكون قد توفّي قبل هذا التاريخ بالطبع [ ممتع الأسماع ، ص 11 - 12 ] . ويمكن تعليل سر انتشار الطريقة الجزولية وتطوّرها في شكل فروع متعدّدة ، بسنّيتها وواقعيّتها . فهي لم تدخل في جدل فلاسفة التصوّف ، وإنّما حافظت على كثير من أسباب التوازن بين الشريعة والحقيقة . ومن هنا كان تركيز الجزولي في مقالاته على تلقين المريد أحكام الشريعة ، ومعرفة الخالق وتوحيده والإسلام وأركانه وقواعده ، والإيمان وشعبه وتطوّره إلى مرحلة الإحسان . وتأتي بعد ذلك المعارف الصوفية التي صبّ اهتمامه فيها على المسائل الأساسية التي تعين المريد على طيّ المقامات وقطعها للوصول إلى الهدف المنشود ، فكان تركيزها على أبرز أشواطها : البداية - التمكين - النهاية . دون الدخول في التفاصيل والآراء المحدّدة لها . وضمن لنفسه المحافظة على وحدة الأمّة بعدم الخروج على إجماعها ( الاتجاه السني ) . وتبدو الواقعيّة في الاهتمام بالجانب التطبيقي من التصوّف أكثر من الاهتمام بالتنظير والمناقشة الفلسفية ، لهذا ركز أقواله وأجوبته