المنجي بوسنينة

26

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الوزير « محمد بن عبد الملك الزيات » وهو أديب شاعر ، و « الفتح بن خاقان » الذي كان كالجاحظ في حبّه الكتاب والمطالعة ، ولم يكد يفارقه كتاب حتّى في مجلس الخليفة ، و « إبراهيم بن العباس » الكاتب الشاعر ، ثمّ قاضي القضاة « أحمد بن داود » كبير المتكلّمين وزعيم الاعتزال . وكان الجاحظ يلازم الوزير ابن الزيات مختصّا به مقرّبا منه ، ومنصرفا عن « أحمد بن دؤاد » للمنافسة بين الوزير وقاضي القضاة . ولمّا قبض الخليفة « المتوكّل » على ابن الزيات هرب الجاحظ . ولمّا قتل ابن الزيات جيء بالجاحظ مقيّدا إلى أحمد بن دؤاد ، فعاتبه على ولائه لابن الزيات ولكنه عفا عنه لبداهته وحسن جوابه . اشتهر الجاحظ بمؤلفاته اللغويّة والأدبيّة المتعدّدة ، كما ترك أيضا موسوعة شاملة في الحيوان جاءت خليطا من المعارف الطبيعيّة ، والمسائل الفلسفية . كما تحدّث في سياسة الأقوام والأفراد وتكلّم في نزاع أهل الكلام وسائر الطوائف الدينيّة ، وكثير من المسائل الجغرافية وخصائص كثير من البلدان ، وفي تأثير البيئة في الحيوان ، والإنسان ، والشجر ، كما تناول الحديث في الأجناس البشريّة وتباينها ، فكان بذلك مؤسسا لعلم الجغرافية البشريّة ، فهو أوّل من علّل أقسام البشر إلى أمم وشعوب وأجناس وأعراق مختلفة صورهم ، وألوانهم ، ولغاتهم ، وطبائعهم ، وعاداتهم . وأوعز الاختلاف إلى تأثير الوراثة والبيئة الاجتماعية والطبيعيّة التي كانوا يعيشون فيها . كما عرض لبعض قضايا التاريخ ، وتحدّث عن الطبّ بما فيها أمراض الحيوان وبيان كثير من المفردات الطبّية . كما تحدّث عن العرب والأعراب وأحوالهم ومزاعمهم وعلومهم ، وأفاض القول في آيات الكتاب العربي وحديث الرسول العربي ، كما فصّل بعض مسائل الفقه والدين . ففي كتاب « البخلاء » ، أظهر الجاحظ موهبته كناقد ساخر لمجتمعه ، حيث تناول الجاحظ البخل والبخلاء من منظور حواري جدلي صوّر فيه أخلاق الناس وطبائعهم في مجتمع البصرة وفي حياتهم العاديّة وصوّر شخصيّاته بدقّة واختارها من مختلف طبقات المجتمع فهي شخصيّات حقيقيّة ، وأبرز فيهم الجوانب السلبيّة والإيجابيّة بعد أن حلّل النفس البشريّة وطبائعها وغرائزها وبيّن ما فيها من كوامن الخير والشرّ ، فاعتبر بهذا الكتاب رائدا من روّاد القصّة القصيرة والأدب الواقعي . ويكاد الجاحظ ينفرد بأسلوب فنّي متميّز في تصوير الشخصيات ، فإذا هي حيّة أمامنا بملامحها وحركاتها وسكناتها ، وقد برع في ذلك ، ومن هذا القبيل تلك الصور البارعة التي رسمها لخالد بن يزيد مولى المهالبة وهو الذي يعرف بخالويه المكدّي . ومن هذا التصوير تتّبعه لحيل المكدّين ، وحديثه عن « المخطراني » ، وهو الذي يأتيك في زيّ ناسك ومعه واحد يعبّر عنه أو لوح أو قرطاس قد كتب فيه شأنه وقصّته ، و « الكاغاني » الذي يتجنّن ويتصارع ويزبد ، و « البانوان » الذي يقف ويقول بانوا وتفسيره بالعربية يا مولاي ، و « القرسيّ » الذي يعصب ساقه وذراعه . . فإذا تورّم واختنق الدم مسح بشيء من صابون ودم الأخوين ، وقطّر عليه شيئا من سمن ، وأطبق عليه خرقة . . ومنهم « المشعب » الذي يحتال للصبي حين يولد ، بأن يجعله أعمى ، أو أعسم ، أو أعضد ، ليسأل الناس به أهله . ويندرج كذلك في تصوير الجاحظ