المنجي بوسنينة
25
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
معزوّا لأصحابه تارة ، وغير معزوّ تارة أخرى . ويظاهر هذا الرأي ذكره لأرسطوطاليس وإشارته إلى آرائه في كتاب « الحيوان » ، وذكره في « البيان والتبيين » ، عند الحديث عن البلاغة ، منكة ، وبازيكر ، وسندباذ ، وهم من علماء الهند . وممّا يدلّ على تبحّر الجاحظ ونزعته الموسوعيّة في الثقافة قوله : « . . . فهذه الفرس ورسائلها وخطبها وألفاظها ومعانيها . وهذه يونان ورسائلها وخطبها وعللها وحكمها ، وهذه كتبها في المنطق التي قد جعلتها الحكماء بها تعرف السّقم من الصحّة ، والخطأ من الصواب . وهذه كتب الهند في حكمها وأسرارها ، وسيرها وعللها » . لقد كان الجاحظ شغوفا بعلم الكلام على مذهب المعتزلة . ومعلوم أن مذاهب هذا العلم تأثّرت بالفكر اليوناني ، ولا سيّما مباحث المنطق وما يتعلّق منها بالبرهان والقياس ، كما تأثّرت بمذهب السوفسطائيين الذين أتقنوا البلاغة والمغالطة . وعلى هذا النحو كان الحذّاق من متكلّمة المسلمين على مذهب الاعتزال ، إذ عرفوا بالتفنّن في الأداء البلاغي ، كما عرفوا بالقدرة على المناظرة ، وتحسين الموضوع الواحد وتقبيحه . وللجاحظ في هذا الباب ذرع واسع فيما أثر عنه من مناظرات في كتاب « الحيوان » وفي بعض رسائله ، كرسالة « في الجد والهزل » ، ورسالة في « المفاخرة بين الجواري والغلمان » . ولم يكن الجاحظ مجرّد متّبع لمذهب المعتزلة وأصوله الخمسة المعروفة ، ولا مجرّد متّبع لآراء الكبار منهم كأبي الهذيل العلّاف ، وأبي إسحاق النظّام ، بل كان - كما هو معلوم - رأس فرقة من فرق المعتزلة ، نسبت إليه ، وعرفت بالجاحظيّة . وكما خالط الجاحظ العلماء والمثقّفين في عصره ، خالط الطبقات الدنيا من كنّاسين وكسّاحين ، وحمّالين ، إضافة إلى المكدّين ، والمجانين ، والحمقى ، والموسوسين . وكما خالط فصحاء الأعراب من أبناء البوادي ، خالط الأعلاج والأنباط ، والموالي من أبناء الشعوب الأخرى ، وروى عنهم ، وأثبت لهجاتهم . وللجاحظ في ذلك مذهب فنّي - عبّر عنه في الجزء الأوّل من « البيان والتبيين » بقوله : « ومتى سمعت - حفظك الله - بنادرة من كلام الأعراب ، فإيّاك أن تحكيها إلا مع إعرابها ومخارج ألفاظها ، فإنّك إن غيّرتها بأن تلحّن في إعرابها وأخرجتها مخارج كلام المولّدين والبلديين ، خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير . وكذلك إذا سمعت بنادرة من نوادر العلوم ، وملحة من ملح الحشوة والطعام ، فإياك أن تستعمل فيها الإعراب ، أو تتخيّر لها لفظا حسنا . . فإن ذلك يفسد الإمتاع بها ويخرجها من صورتها » . ولقد عرف الجاحظ بخفّة روحه وميله الفطري إلى الهزل والفكاهة ، ومن ثمّ كانت كتاباته على اختلاف مواضيعها لا تخلو من الهزل والتهكّم ، كما أنه وهب روحا فنّية كانت تسيطر على ما يكتبه ، فكانت أغلب المواضيع التي كتب فيها قريبة إلى حياة الناس وأذواقهم وأفهامهم وتراثهم . كما كان واقعيّا يعطي لكلّ مقام مقالا . ولذا فإنه لا يتردّد فيما يكتب عن أخلاق العامّة من استعمال لغتهم وألفاظهم ولو كانت سمجة بذيئة أو غير مستملحة . وقد أهّله تكوينه أن يتولّى رئاسة ديوان الرسائل أيّام الخليفة « المأمون » ، إلّا أنه طلب أن يعفى منه فأعفي ، ثمّ اتّصل برجال الدولة في سامراء فكسب صداقتهم ورعايتهم ، ولازم