المنجي بوسنينة

202

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

كان في الأدب من دعاة التجديد الموضوعيّ مع التمسّك بسلامة اللغة وفصاحة الأسلوب . جمع بين ملكة النقد وملكة الشعر والنثر ، وبين الذوق الفنّي ، فكان ناقدا بصيرا موفّقا ، يجري على مقاييس عالية للأدب ، وعلى تمجيد المعاني الإنسانيّة والفكريّة السامية . ومن تعريفه للنقد الأدبيّ يظهر نبل غايته وإخلاصه للأدب ، فيقول : « ليس هنالك نقد عنيف أو نقد لطيف ، بل هنالك إمّا نقد مصيب ، وإمّا نقد مخطئ . الأدب قوام الشعوب والأمم ، والنقد قوام الأدب والفنّ » . ويمتاز نثره بحرارة التعابير . وتشعّ في مؤلّفاته الفكرة والثقافة الواسعة والثقة بالنفس حتّى ليشعر القارئ بأنّه يخاطبه من برج عال وينظر إلى صغارته نظرة إشفاق . أمّا في الشعر فكان شاعرا واسع الأفق ، رحيب الخيال ، يمتاز بموسيقى الألفاظ وبعاطفة قويّة وفكرة نيّرة : ينظم في الحنين ، فإذا هو شعور رهيف معذّب ، وينظم في وصف الطبيعة ، فإذا هو إحساس فسيح ، وخيال محلّق ، وينظم في الوطنيّة ، فإذا هو ثورة ونقمة ولهيب . وينظم في معاني الحياة والوجود ، فإذا هو فكر نيّر ، يغني له خيال خصيب وحسّ دفوق . وقد غلب شعر الوطنيّة والحنين إلى الوطن عنده إلى حدّ أنّ ديوانه « الروافد » كاد يكون كلّه شعرا وطنيّا محترق الأنفاس ، فيه صور حارّة صادقة . في حلقه غصّة سببها الاغتراب وجور الحياة المهجريّة عليه وضياع القيم في محيط جاهل مستهتر : جلّ من قدّر السّعادة للن * ناس ومن قدّر الشّقاء علينا قد قضينا الأعمار نبري من الأق * لام أعناقها إلى أن برينا فإذا سربنا المزقزق يفنى * ريشة ريشة ولونا فلونا وإذا كان الحنين هو عاطفة الحبّ المتلهّف الذي يحمله الغريب إلى وطنه ، فإنّ هذا الحنين يرافقه عادة غيرة على حرّيّة الوطن ورقيّه ومجده ، ونقمة على أعدائه وظالميه . وفي شعره كثير من هذا . وعلى الرغم من إيمانه بأنّ شعر الوطنيّة يزول بزوال المناسبة التي قيل فيها ، إلّا أنّه جمع في « الروافد » قصائده الوطنيّة التي لا تخلو من صور فنّيّة ، ولوحات لطبيعة الوطن وأرضه وسمائه . لقد أحسن وصف طبيعة لبنان حين ذكره مهاجرا ، كما أحسن وصف الطبيعة في أميركا الجنوبيّة ، فهو وصف يدلّ على مزج الحسّ بالشعور ، وتحويل المشاهد إلى انفعالات وانطباعات حيّة . هو شعر فيه خيالات وأحاسيس كلّها لطف وجمال . ولا يخلو شعره من المناسبات العامّة والخاصّة ، فهو تارة يشترك في تكريم شاعر بقصيدة ، وطورا يهنّئ أحد رجال السلك السياسيّ المصريّ ويكرّمه مع الجالية العربيّة في البرازيل . إلّا أنّ الرثاء يكثر في ديوانه .