المنجي بوسنينة

132

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

فالنفس ( النفوس الثلاثة في الحقيقة لا تكون إلّا نفسا واحدة ) جادت بصورتها على الكائنات . ولم ينقص هذا الجود وهذا الفيض من قواها شيئا ، لأنّها متناهية وقريبة من الإرادة الإلهيّة . وتنفذ النفس الكليّة بصفتها صفاء لا متناهيا ، إلى العالم كلّه وترويه . وكذا ينفذ العقل الذي هو أكثر صفاء إلى العالم بنوره ، نفوذا أكثر قوّة ، لأنّ نوره أكثر شفافية ورقّة من النفس . غير أنّ الإرادة ، أي القوّة الإلهيّة التي هي مصدر العالم ، تنفذ فيه ، وتحيطه ، وتحرّكه برقّة أكثر ممّا سبق . وإذا كان أثر الكائنات الحسّية معرّضا للنقص ، فإنّ أثر الجواهر البسيطة لا يعتريه ذلك . والمادّة الأولى والصورة الأولى ، هي الأقرب إلى الإرادة الإلهيّة ، في سلّم الفيوضات ، ومن تركيبها يتولّد العقل ثمّ الروح ( النفس ) ومن هذه تتولّد الطبيعة ، وهي آخر الجواهر البسيطة التي يتولّد منها الجوهر الجسمي . والمادّة تعني : 1 - المادّة الأولى الكلّية البسيطة المجرّدة عن الصورة وهي أسّ عالمي المعقولات والمحسوسات ، وكلّ ما عدا الله . 2 - المادّة الكليّة الجسميّة التي فاضت عن الطبيعة ، وهي أسّ الصور الجسميّة والكميّة ، وتتضمّن الأفلاك السماويّة والكائنات الأرضية . 3 - مادّة الأفلاك السماويّة المشتركة ، وهي غير فانية ولا يجري عليها الكون والفساد . 4 - مادّة ما دون الفلك ، وتسمّى أيضا المادّة العامّة الطبيعيّة ، وهي التي تتكوّن منها العناصر ( النار والهواء والماء والأرض ) ويجري عليها الكون والفساد . 5 - المادّة الخاصّة الطبيعيّة ، وهي تتكوّن منها الكائنات المركّبة الماديّة ( والمادّة الكليّة الجسميّة التي هي الفيصل بين العالم الجسماني والعالم الروحانيّ ) . والإنسان مركّب من مادّة وصورة ، وهو بالإضافة إلى ذلك ، يعدّ عالما صغيرا يمثّل في بنائه وتركيبه العالم الكبير . وإذا أمكن أن نصف الخليقة بأسرها ، ونتصوّر نظامها ، فما ذلك إلّا لأنّ الأسفل وهو الإنسان ، هو صورة الأعلى . إنه صورته ، لأنّ الأعلى يدبّر الأسفل ويميل نحوه ، وكذلك الأمر في الكون ، فالجواهر المحيطة التي هي روحانيّة وكلّية ، هي التي تدبّر ، بصفتها مادّة الأسفل ، أمره وتضفي عليه الحركة والضوء ، وهكذا من مرقى إلى آخر ، حتّى الواحد المطلق ، العقل . وما كان للمادّة الجسميّة التي هي أساس المعقولات التسعة ، وبداية التأمّل الإنساني ، لتكون مصدرا للمعارف الإنسانيّة إلّا بسبب اشتغال النفس بما هو دون . فأصل هذه النفس أسمى من مصدر هذه المادّة ، إذ تصدر مباشرة عن العقل ، ومع ذلك تبدأ معارفها انطلاقا من الجرم ومقولاته ، وذلك بغوصها في المادّة ونسيانها أصلها السماوي . ولذلك عليها أن تتطهّر بالمعارف الحسّيّة ، وذلك باعتمادها العلم الذي لم يبق فيها إلّا بالقوّة بسبب مكثها في عالم الدنيا . ومعرفة الكون ، أي المادّة والصورة ، هي الطريق المؤدّية إلى المعرفة الحقيقيّة التي هي معرفة الله ، أو بالأحرى معرفة إرادة الله