المنجي بوسنينة
133
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الذي تستحيل معرفته هو نفسه . فالعلم إذا ، ما هو عليه الحال في اللّاهوت الوسطوي ، هو الترقّي الروحي ، والعلوّ نحو الذات العليا . والعالم السفلي وعالم الأفلاك وعالم الجواهر البسيطة ، هي الغاية والوسيلة من المعرفة ، لأنّ هذه تحمل آثار الإرادة الإلهيّة . وما العلائق بين المادّة والصورة عند ابن جبيرول إلّا آثار من آثار الإرادة الإلهيّة . ولذلك فإنّ الكون ما هو إلّا كتاب مفتوح نقرأ فيه الآثار الإلهية إذا استطعنا إلى ذلك سبيلا . والعلم بالإرادة الإلهية علمان : علم أسمى ، وهو العلم بالإرادة في حدّ ذاتها ، عندما تكون مجرّدة من المادّة والصورة ، وتكون إلهيّة خالصة ، وعلم يتمثّل في المادّة والصورة ، أي معرفة العالم المادّي والروحيّ الذي يتجلّى فيه فعل الإرادة ، ولا تتمّ المعرفة الثانية إلّا بالمعرفة الأولى ضرورة . إنّ هدف هذا الدرس الطويل ومبلغ مناه بعد الزهد القاسي ، هو رجوع النفس إلى مصدرها ، مصدر الحياة . إنه التعلّق بالحياة الخالدة ، واليقين من اجتياز دائرة الموت ، لأنّ الموت والحياة لا يليقان إلّا بما هو مادّي ، وعندما تبلغ النفس عالم العقل الصافي ، بتعلّقها بالإرادة التي هي أسمى من كلّ مادّة ، ومن الصورة الروحانيّة ، فإنّها تترك ظهريا كلّ ما له علاقة بالموت والحياة ، فتبلغ مصدر الحياة الحقّ . وغاية الدنيا الخلوص إلى الله ، والتجرّد منها هي نفسها . ويتمّ ذلك بشغل النفس بالمعقولات والابتعاد عن المحسوسات . يتجلّى لنا من هذا التحليل ، الأثر البالغ الذي أحدثته الأفلاطونيّة المحدّثة في فكر ابن جبيرول ، فجرّدته من خصوصيّته الدينية ، وجعلته بحقّ يمثّل نقلة هذه المدرسة التي اشتدّ عودها في القيروان ليعطي فاكهة ناضجة في أرض الأندلس . على الرغم من أهمّية هذا الكتاب ، فإنّ أثر ابن جبيرول كان محدودا في بني جلدته ، لأنّه لم يتعرّض لأهمّ موضوع كان يشغلهم ، وهو علاقة الدين بالفلسفة . فباستثناء موسى بن عزرا ، ويوسف بن صديق ، وأبراهام بن عزرا الذي لم يذكره بالاسم ، فإنّ مفكّري اليهود الوسطويّين لم يأبهوا به كثيرا . ولم ينل « مختصر ينبوع الحياة » الذي أولاه ابن فلفرا كبير عناية ، وحتّى على فرض أنّ هؤلاء الفلاسفة كانوا يعرفونه ، فإنّهم ولا شكّ تأثّروا برأي ابن ميمون وبعض من سار على نهجه الذين اعتبروا ابن جبيرول مفكّرا خصّ كتابه لغير اليهود ، وإنّ الموضوع الذي تناوله لا يحتاج إلى ذلك الجهد ، وأنّ كتابه افتقد المنهج العلمي ولم يحسن استعمال المنطق الذي اعتمده . فإلى أيّ حدّ يصدق هذا النقد على كتاب يعتبره Vajda مشروعا غير كامل [ . Introduction , p 76 ] لم يعدم التأثير في القبليين ( المتصوّفة من اليهود ) من أهل الأندلس ؟ . كيفما كان الحال فإنّ الكتاب في حلّته اللّاتينيّة كان له صداه لدى المفكّرين اللّاتين . وقد خصّ هذا الجانب ببحث دقيق في كتابه « « Melanges الصفحات 261 - 306 . آثاره 1 - ينبوع حياة ، كتب باللغة العربية وترجمه غند سلبه ، ويوحنا الأسباني إلى اللاتينية وأحدث تأثيرا عظيما على اليهود والنصارى على السواء . فقد النصّ العربي وتحوّل إلى