المنجي بوسنينة

111

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

ذلك النهش الفاجع ، نحس وكأننا في كابوس خانق ، لا نتنفّس بعده إلّا عندما نقرأ وصفه للفارس الذي يخب على جواده مرتميا في غموض الصحراء . ويتألّق حمد صالح في قصة « اهتمامات يومية » التي تعد واحدة من أكثر أعمال الكاتب إثارة . والقصة تتحدث عن عالم الذئاب في الصحراء ومهاجمتها للقرى عندما يداهمها الجوع ، ورجل الشرطة له القدرة على ترويض أعتى الذئاب . وعلى الرغم من أنّ موضوع الذئاب وهجومها على المدن والقرى ، قد قرأناه في قصص عدّة لأدباء عرب وأجانب ، إلّا أنّ حمد صالح يفلح في إعطاء قصته خصوصيتها مستعينا إلى درجة كبيرة بالموقع الجغرافي وكذلك بمناخ الأحداث . لقد قدّم لنا حمد صالح واحدة من أجمل القصص الرائعة التي كتبها خلال عمره الإبداعي القصير ، تلك هي قصة « انهيار سد مأرب » التي يمكن القول عنها وبكثير من الطمأنينة بأنها واحدة من القصص التي تجعل حمد صالح يتبوّأ مكانة متميّزة في القصة العربية وليس القصة العراقية فحسب . إنها قصة انثيال عذابات جيل كامل من الناس تتدفّق أمامنا كصور متراصفة تدفع الواحدة منها الأخرى لترسم في آخر المطاف حال كائن اسمه « رضوان عبد الله » موظف في الهيئة العامة للزراعة والإصلاح الزراعي ، يغني أحزانه كطائر التم لتشيخوف أغنيته الأخيرة ، فإذا بها أغنية جيل بلسان إنسان عراقي بسيط ، ابتدأ كما يبتدئ خلق الله طفلا يرى عذابات أهله ، وهم يساقون واحدا بعد الاخر للموت . آخر الصور المتبقية ، مشهد لوالده وهو يضرب بالسياط في ديوان الشيخ الإقطاعي ، فرسمت على ظهره خارطة الأحزان . ومن داخل هذا المشهد الكلي الحضور ، نقرأ مع رضوان الله تاريخ العذاب البشري ، أمه وأهله وذاته ، وإذا بالحياة تحاصره فتدفع بكلابها لملاحقته ، وها هي الكلاب بأشكالها وألوانها ووظائفها تطارد رضوان . . كما لو أنها تطارد الجيل الذي يمثله ، لتدفع به في آخر المطاف إلى شنق نفسه وسط غرفة كل جدرانها مليئة بصور الكلاب ! . . . لا شيء بعد ذلك ، رجل يتدلّى من السقف ، يقف أمامنا ووجهه مصوّب نحو المجهول ، يقول عبر عتمة الغرفة ووحشتها ما يمكن أن يقال بلسان عشرات الرجال . وعندما تتفحّص الحال ، تجد ضمائر السرد القصصي تتداخل فإذا بضمير الراوي يصبح متكلّما ، والمتكلّم يصبح راويا ، فتتداخل أزمنة الماضي بالحاضر ، ملامح الفرد بملامح المجتمع ، لون الفكرة بطريقة السرد . . إنها حكاية مليئة بكل ما هو سري وخاص . . . الجملة لا فواصل فيها ولا نقاط ، تذكرنا بجملة جيمس جويس الطويلة ، أو بتداعيات « بنجي » في « الصخب والعنف » لفوكنر ، جملة تقول لنا إنّ الحياة إذا ما اكتملت لا فائدة من الاستمرار بها وحياة « رضوان عبد الله » اكتملت « الآن » وأخذت من مساحة الروح ما يكفي لأن تلغي جسده . . . وبالفعل نجده بعد حكايته يشنق نفسه كطائر التم ، حيث يصبح صوته الشجي إعلانا لنهايته . في « انهيار سد مأرب » يروي رضوان بطل القصة ، حكايته ، فإذا بها سلسلة متّصلة من أفعال الحاضر والماضي ، يتداخل عبرها