المنجي بوسنينة
112
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
تكوين إنساني لا حدّ لمعاناته . . . في الجزء الذي يستغرق سبع صفحات ونصفا من القصّة ، نجد كل ما يشيد كيان البيت القصصي المعقد والقريب ، ولنأخذ هذا المقطع القصير مثلا : « إن هذا البطل المتوحد ، المفرد ، المستوحش ، يعلن الإدانة ويؤشر الخراب في عالم مضطرب شائك غير سوي . وببساطة ليست متوقّعة انهار سد مأرب في داخل رضوان عبد الله . انهار في داخلي . . انهار في داخل هذا العالم المنطوي على مظالمه المزمنة فانهزت السيول الجارفة دفعة واحدة . . » . إن السمات البارزة لأدب حمد صالح ، تتجلّى في لغته الملونة والغنية بالرموز والدلالات والتي تستبطن من خلال الظلال والصور الموحية ، أعماق شخوصه المأزومين المعذبين الذين تمزّقهم هموم الذات من جهة ، وظلم المجتمع من ناحية أخرى . ولغة حمد ، تبدو رشيقة ، حيوية ، هامسة وحزينة تارة ، وعالية صاخبة رافضة تارة أخرى ، وهو في الحالتين ، يحكم سيطرته على اللغة القصصية . . وتتجلّى الطفولة في قصصه كسمة ظاهرة أيضا ، وهذه الطفولة ، طفولة معذّبة ، جريحة ، تنزف في ذاكرة القاص وتدمي وجدانه ، وهي ناقوس يدق بعنف في ضميره المثقل ، وهي طفولة ترحل في الأسطورة والحلم والخوف من المجهول : « شدتني أمي تحت عباءتها الصوفية الثقيلة حيث تجهمت السماء وهبطت الغيوم السوداء الداكنة إلى مستوى قمم التلال واشتدّ عصف الرياح الباردة ، وبين خطوة وأخرى كانت الغيوم الحبلى تتصدّع بوميض خاطف وحاد ينير الأرض والحقول والتلال المحيطة بنا ، على أثره تدوي قرقعة جافة وخشنة في أشلاء الغيوم المتصادمة بقسوة فيقشعر بدني تحت الدشداشة الرطبة وتهطل الأمطار بغزارة . ألتمس الدفء بجسد أمي المنتصب إلى جانبي فأحس لهاثها كفحيح الرياح التي تنوح بين الأشجار والحقول . لم يكن بيتنا بعيدا ولكنه في مثل هذا الطقس العاصف بدأ أبعد بكثير من أن نصله سالمين ، فأفكر أن الظلام مخيف وأن في الليل تحدث أشياء فظيعة تفوق التصور ، حيث تنشط كل الكائنات الأسطورية الشريرة لتمارس شذوذها المروع فأنكمش تحت عباءة أمي الصوفية الثقيلة وأنا أتساءل متخوّفا : متى نصل يا أمي ؟ فتجيبني بلهجة تتعمّد أن تجعلها واثقة وعالية النبرة ، ولكنّني أتذوّق من خلالها مرارة الحنظل : « لا تيأس يا حبيبي ، أوشكنا على الوصول . . » . ومن الظواهر التي تتكرّر في عالم حمد صالح ، الخمرة والحانة والسكر وما يترتّب على ذلك من تعبير عن هروب وخلاص أو تدمير للبطل عنه . . « أبدأ الليل عادة في حانة منزوية لأنهي الليل متوسّدا صدرها الحنون . . » و « في حانة متواضعة من حانات المدينة أختبىء وأعب من رديء الخمور بكل ما أملك من نقود إلى أن أثمل تماما . . » ، و « عالم غريب ومشوّه على شكل بركة ملتمعة ودقيقة تفوح برائحة الخمور المحلية المغشوشة » . . و « اكتشفت ذات يوم أبي وهو يترنّح من شدّة السكر ويتحدّث بإبهام وغموض إلى امرأة لا وجود لها . . » و « ما أن دخلت الحانة الخانقة حتّى صدمت أنفي رائحة الخمور المحلّية المغشوشة » .