المنجي بوسنينة

11

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

السادس عشر للهجرة ، عند ملتقى دجلة والفرات ، وسمّيت بمدينة « البصرة » نسبة لكثرة الحصى الغليظ في أراضيها ، وهو ما كانت العرب تدعوه « بصرة » أو تعريبا للكلمة الفارسية « بس راء » التي كانت تعني الطرق الكثيرة المتشعّبة ، وكانت « البصرة » تكتسب أهمّية خاصّة عند أهل عمان ، فهي ملتقى طرق الإبحار بين المياه المالحة والعذبة ، تنتهي إليها الرحلات القادمة من المحيط الهندي وبحر العرب وخليج عمان حاملة تجارة الصين ، والهند ، وأفريقيا ، إلى الجزيرة ، والعراق ، والشام وما وراءها من بلاد الفرس ، والروم ، وتنطلق منها الرحلات المقابلة لتكون محور رحلة الشتاء والصيف ، ولأنّ أهل عمان مولعون بالتجارة والبحر ، فقد مثلت البصرة لهم نقطة ملائمة لتجارة العبور وللاستقرار المؤقّت لمعظم التجّار ، والدائم لكثير منهم إضافة إلى استقرار بعض الجنود من الأزد بها ، حتّى أصبحوا يشكلون ما يقرب من نصف سكان المدينة ، كما يشير ياقوت الحموي في قوله : « وبنى المسلمون بالبصرة سبع دساكر ، ثلاث منها في موضع الأزد اليوم » [ معجم البلدان ، 2 / 431 ] . ولم تقف أهمّية الأزد بالبصرة عند كثرتهم العدديّة ، بل تعدّتها إلى مكانتهم في قيادة المدينة ، فقد كان أوّل من تولّى القضاء في البصرة ، بأمر عمر بن الخطاب ، رجل من أهل عمان ، هو « كعب بن سور » من بني لقيط ابن الحارث بن مالك بن فهم . وفي ذلك من الدلالة ما لا يخفى على مكانة الأزد في البصرة . ولا شكّ أنّ تلك المكانة كانت وراء قرار الكثير من أهل عمان بإرسال أبنائهم إلى البصرة كي يتعلّموا بها ، وكثيرا ما كان هؤلاء يستقرّون بالبصرة لكي يصبحوا من أعلامها كما حدث فيما بعد مع الخليل بن أحمد الفراهيدي ، ومحمد بن دريد الأزدي ، ومحمد ابن يزيد المبرد وغيرهم . في إطار هذا التصوّر كان ذهاب جابر بن زيد في صدر شبابه إلى البصرة لكي يتلقى العلم بها ، ومع أنّ المصادر لا تحدد عام وصول جابر إلى البصرة ، فإنها تؤكّد على أنّ ذلك كان في شبابه المبكّر ، وهو ما يمكن أن يقودنا إلى نحو العام الخامس والثلاثين من الهجرة ، عندما كان جابر حول الخامسة عشرة من عمره ، وهو العام الذي يوافق مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان ، وما تلاه من وقائع الفتنة الكبرى التي كانت البصرة مسرحا للكثير من أحداثها حربا وسلما ، سياسية وعلمية ، فلم يكد علي بن أبي طالب يبايع بالخلافة ، حتّى خرج عليه طلحة والزبير وعائشة ، وتوجّهوا جميعا إلى البصرة في العام السادس والثلاثين ، واستولوا عليها بجيوشهم ، وحدثت معارك في البداية بين هذه الجيوش وبين أهل البصرة ، ثمّ لحقت جيوش علي جيوش طلحة والزبير وعائشة ، والتقت جميعا على مشارف البصرة في موقعة الجمل المشهورة وانتصر علي ، وقتل طلحة والزبير وعادت عائشة إلى المدينة ، وغضب عليّ على أهل البصرة وخاطبهم قائلا : « يا أهل البصرة ، يا بقايا ثمود ، ويا أتباع البهيمة ( يعني الجمل ) يا جند المرأة ( عائشة ) رغا فاتّبعتم ، وعقر فانهزمتم ، دينكم نفاق ، وأحلامكم دقاق » . ورأى جابر بن زيد طالب العلم