المنجي بوسنينة
12
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
المبتدىء مئات القتلى وآلاف الجرحى والمشرّدين ، وكلّهم مسلمون من خيرة الصحابة ، وقاتلوهم كذلك من خيرة الصحابة ، وفي هذا المناخ تشكّلت الأسئلة السياسية والفقهية التي شكّلت تاريخ المسلمين منذ القرن الأوّل للهجرة ، وكان لجابر دور هام في صياغة الفتاوى والآراء التي شكّلت إجابات على تساؤلات معاصريه من ناحية وزادا ومرجعا للتراث الفقهي والعقائدي استرشدت به بعض الفرق والمذاهب الإسلامية . وقد كان من نتائج حروب الفتنة بعد أن هدأت ، امتلاء البصرة بعلماء الصحابة والتابعين ، وأوّلهم عبد اللّه بن عباس ، الذي عيّن حاكما على البصرة من قبل علي بن أبي طالب ، وكان ابن عباس من أكبر علماء الأمّة ، ومن أكثر الشخصيات تأثيرا في جابر ابن زيد الذي كان يسمّيه بالبحر ، وكان يقول عنه : « أدركت سبعين بدريا فحويت ما عندهم إلّا البحر » وكان ابن عباس فيما بعد شديد الثقة في جابر بن زيد والإعجاب به وكان يقول : « لو أنّ أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علما عما في كتاب اللّه » . ولا شك أنّ جابر بن زيد بدأ تلمذته على ابن عباس فترة إمامته للبصرة ، لكنّه واصل تعلّمه بعد ذلك على يديه لسنوات طويلة ، خلال رحلاته للحج حتّى أصبح ينسب إليه ويعد من أبرز تلاميذه . لكن ابن عباس لم يكن وحده الذي قدم إلى البصرة ، فكثير من الصحابة والتابعين قدموا واستقروا ، ولقد خصص محمد بن سعد الجزء السابع من طبقاته الكبرى للحديث عن « من نزل البصرة من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومن كان بها بعدهم من التابعين وأهل العلم والفقه » . فأحصى من الصحابة وحدهم مائة وخمسين من بينهم أنس بن مالك ، وعبد اللّه ابن عمرو ، والعباس بن مرداس ، والنمر بن تولب ، وعثمان بن أبي العاص ، وصحار بن عياش العبدي . ومن موالي رسول اللّه أبو عسيب ، وزيد ، أما أفراد طبقة التابعين ممّن ذكرهم ابن سعد ، فقد بلغوا أربعمائة وأربعة وثلاثين تابعيا أدرجهم في ثماني طبقات ، حسب أعمارهم ، ومن بين هؤلاء أبو الأسود الدؤلي ، وأبو أمية مولى عمر بن الخطّاب ، والأقرع مؤذن عمر ، وجابر بن زيد ، ومالك بن أنس ، ومالك بن دينار ، وغيرهم من كرام التابعين . ولا شك أنّ هذا هو المناخ العلمي الذي كان يبحث عنه جابر بن زيد ، حين خرج من عمان يطلب علم مدرسة النبوّة ، فوجد أعلام هذه المدرسة تقودهم الأقدار إلى الالتقاء به في « البصرة » في منتصف الطريق ، فينهل من علمهم ويعتزّ بأنه استوعب معارف سبعين من أهل بدر ، والرقم لا شك للمبالغة لا للتحديد لكن جابرا لم يكتف بتلقي العلم ممّن وفدوا إلى البصرة ، بل حرص هو على السعي إلى منابع العلم في مكة والمدينة ، وذلك من خلال رحلات الحج التي كان يحرص عليها كل عام حتّى قيل إنه حجّ أربعين مرّة ، على حين أنّ صديقه ومعاصره الحسن البصري ، أثر عنه أنه لم يحج إلّا مرّتين ، ومن أجل هذا كان يهتمّ باقتناء النياق القوية ، ولقد حج على واحدة منها أربعا وعشرين مرّة ، وكان أكثر ما