المنجي بوسنينة
814
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
وما إن ظهر الكتاب حتّى قررت الحكومة الفرنسية حجزه ومصادرته . ورغم ذلك فقد راج في تونس في كنف السريّة ، بل زاد في حماس الوطنيين الذين أيّدوا المطالب الواردة فيه ، وأجمعوا كلمتهم يوم 15 يونيو 1920 على تأسيس أوّل حزب تونسي منظّم برئاسة الشيخ عبد العزيز الثعالبي ، أطلقوا عليه اسم « الحزب الحر الدستوري التونسي » . وقد تمثّل ردّ الحكومة الفرنسية في إلقاء القبض في باريس على مؤلّف « تونس الشهيدة » وتحويله يوم 28 يوليو 1920 إلى تونس حيث اعتقل في السجن العسكري ووجّهت إليه تهمة « التآمر على أمن الدولة » . لكن حكومة الحماية اضطرّت في آخر الأمر إلى إطلاق سراح المتّهم يوم أوّل مايو 1921 ، بعد أن صرّح قاضي التحقيق لدى المحكمة العسكرية العقيد « بارون » ( Baron ) بعدم سماع الدّعوى . وما إن تمّ الإفراج عن الثعالبي حتّى أقبل ، بالاشتراك مع أعضاء اللجنة التفيذية للحزب ، على تركيز الهياكل الحزبيّة ونشر المطالب الوطنيّة ودعوة الوطنيين إلى الانضمام إلى هياكل الحزب والدعوة لفائدة برنامجه ، سواء عن طريق الخطب أو من خلال الفصول المنشورة في الصحف العربية التي استأنفت صدورها منذ سنة 1920 . وقد حظي الحزب الدستوري منذ انبعاثه بتأييد جميع الفئات الاجتماعية ، وفي مقدّمتها أمير البلاد محمد الناصر باي ( 1906 - 1922 ) . وسرعان ما أصبح الحزب قوّة تهدّد الحضور الفرنسي في تونس بالخطر . ولكن لم تمض مدّة طويلة حتّى بدأت منذ أواخر سنة 1921 تظهر بذور الخلافات بين قادة الحزب حول طرق العمل . فبينما كانت الأغلبية الملتفّة حول الثعالبي متمسّكة بالمطالب الواردة في « تونس الشهيدة » ، كان الشق المعتدل الذي يتزعّمه المحامي حسن قلّاتي يدعو إلى قبول الإصلاحات الهزيلة التي اقترحها المقيم العام الفرنسي « لوسيان سان » ( Lucien Saint ) : ( 1920 - 1929 ) . وانتهى الأمر إلى انفصال هذا الشقّ عن الحزب الدستوري وإنشاء حزب جديد أطلق عليه الحزب الإصلاحي الذي سرعان ما أصبح اسما بلا مسمّى . وبالإضافة إلى ذلك ، فجع الحزب الدستوري في شهر يوليو 1922 بوفاة الأمير محمد الناصر باي وتعويضه بابن عمه ووليّ عهده محمد الحبيب باي ( 1922 - 1929 ) الذي ما لبث أن صار أداة طيّعة بين أيدي الفرنسيين . فاغتنم المقيم العام الفرصة لاستصدار مجموعة من الأوامر القمعية التي عطّلت الصحف الوطنيّة ومنعت الاجتماعات العامّة وسلّطت أقسى العقوبات على المناضلين ، فاضطرّ زعيم الحزب الدستوري إلى الهجرة من جديد إلى المشرق بإيعاز من السلطة الفرنسيّة . غادر الشيخ عبد العزيز الثعالبي تونس يوم 26 يوليو 1923 ، متوجّها إلى روما ، ومنها إلى اليونان وتركيا حيث أقام فترة من الزمن . ثمّ زار على التوالي مصر وعدن والحجاز وقطر والبحرين والكويت ، وانتهى به المطاف إلى بغداد ، فاستقرّ بها من سنة 1925 إلى سنة 1930 ، وذلك تلبية لدعوة صادرة من ملك العراق فيصل بن الحسين الذي كان قد تعرّف