المنجي بوسنينة
81
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
موقف للفراق أرخص فيه * كلّ در لنا وكلّ عقيق بجموع كوجدنا في اجتماع * والدموع كالشّمل في التفريق [ تاج المفرق ، ص 144 ] إضافة إلى ذلك له مختارات من أشعار ممن أنشده من شعره أو من شعر غيره من الشعراء وتأليف في الحديث . إنّ ثقافة البلوي غلب عليها الأدب مما جعل منه شاعرا مجيدا فحلا يحسن قول الشعر وينافس بنظمه كبار الشعراء ، إضافة إلى ذلك كان كثير الحفظ للشعر وهذه المواهب الأدبيّة هي التي أهلته لتولي خطّة الكتابة للسلطان الحفصي ، أبي يحيى أبي بكر بن أبي زكرياء بن إسحاق سنة 740 ه / 1339 م ، وهو في طريقه إلى الأندلس . وتظهر براعة البلوي الأدبية واللغويّة في السجع الذي كتب به رحلته وانتقده لسان الدين بن الخطيب على أسلوبه هذا ، ويرى أنّه أكثر من الأخذ من كلام العماد الأصفهاني [ ابن الخطيب ، الإحاطة ، ج 1 ، ص 500 ] . ومن القرائن على جمال أسلوبه ، وصفه مدينة المرية عندما دخلها أثناء خروجه للحج : « حتّى إذا بقي من الليل حد الوصية من المال قضينا على معزول السير بالاستعمال ، وسرت أحمل أنفاس الصبا حقائب الوجد ، وأتمتع من شميم عرار نجد ، فما طلع من الغد وجه النهار ، ولا بدا فيه حاجب الأسفار ، إلّا وقد أشرفنا على المرية ، تطلع إلينا أجياد قصابها وغرفاتها وتبتسم من ثغور حصاها عقيق ، وهواها نسيم وماؤها رحيق ، مغان لها عندي معان وأماكن فسكناها للنفوس سواكن » [ تاج المفرق ، ص 146 ] . تتميّز رحلة البلوي عن غيرها من الرحلات أنّه لم يكتف فيها بوصف المدن والبلدان التي مرّ بها أو نزل فيها بل هيّ عبارة عن برنامج لشيوخه الذين التقى بهم وأخذ عنهم وأجازوه . ومن الذين أخذ عنهم في رحلته هذه ، علماء بجاية ؛ وأول من لقيه ، حسب تعبيره ، من أرباب المحابر ، وركاب أعواد الكراسي والمنابر فاضل الأفاضل وكبير الأكابر الشيخ العالم المحدث أبو عبد اللّه محمد بن جعفر رحمه اللّه ، قصدت لقاءه والأخذ عنه وقدمته . . . سمعت عليه تصانيف كثيرة وأجازني وكتب لي بخطه وكان رحمه اللّه إماما في التحديث والنقل [ تاج المفرق ، ج 1 ، ص 154 - 155 ] . ولا يكتفي البلوي بذكر ما يوصف به كل عالم من أخلاق وفضل وعلم بل أسهب في سرد أخبارهم ، والمكان الذي سمع فيه سواء أكان البيت أو المسجد . أمّا عن سير رحلته فلقد خرج في سنة 737 ه / 1336 م - 1337 م من مدينته قتورية ونزل بمرسي هنين ومنها عبر تلمسان وغيرها من مدن المغرب الأوسط ، مثل بجاية ، وقسنطينة ، وبوبة إلى تونس التي ركب منها سفينة واتجه إلى مدينة الإسكندريّة . اتجهت السفينة أولا إلى جزيرة قوصرة ومنها إلى مالطا وكريت ، وقبرص ومنها إلى الإسكندرية ، في أثناء ذلك يصف البلوي أهوال البحر التي كابدها مع الركاب وكادوا أن يفقدوا حياتهم ، وعندما وصلت السفينة إلى ميناء الإسكندريّة ولاحت له منارتها أنشد شاكرا اللّه على سلامته :