المنجي بوسنينة
803
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
توافت تميم في الطّعان وعرّدت * بهيلة لما عاينت معشرا غلبا وإذا كان حلم قتيبة قد وسع أفعال ثابت ثم قربه إليه فمدحه ومجد انتصاراته ، فإن أشرس ابن عبد الله السلمي والي خراسان منذ سنة 109 ه / 727 م قد ضاق بمخالفة ثابت له حين فرض الجزية على الفقراء والضعفاء من « السّغد » ؛ لأنه عدّ إسلامهم نفاقا ، بينما كان ثابت يرى أن الإسلام ما جاء إلا نصيرا لأمثال هؤلاء ، فحبسه في سجن « المجشّر » . . . وبقي محبوسا حتى قدم نصر بن سيار واليا لأشرس على « المجشر » فأحسن إليه وألطفه ؛ ثم حمله إلى أشرس فعفا عنه ، وأطلق سراحه بعد أن كفله عبد الله بن بسطام . . لهذا وجدناه يشكر صنيع نصر له ويمدحه في بعض شعره الذي أثنى فيه على بطولة الجند ، في الوقت الذي افتخر فيه بنفسه وبنسبه ، ومنه : إنّي وإن كنت من جذم الذي نضرت * منه الفروع ، وزندي الثاقب الواري لذاكر منك أمرا قد سبقت به * من كان قبلك يا نصر بن سيّار وكان ثابت قطنة إثر هذه الأحداث التاريخية على موعد مع الشهادة ؛ إذ غزا أشرس بن عبد الله بلاد « سمرقند » سنة 109 ه / 728 م ومن بعد وجه ثابت قطنة في الخيل مع عبد الله بن بسطام إلى « آمل » من « طبرستان » سنة 110 ه / 729 م فظفر بالأعداء من الترك غير مرة ؛ ثم ظفروا به وقتلوه في إحدى المعارك في « آمل » بعد أن أصيب بجراحات بليغة . . . وكان يقول وهو في النّزع الأخير : « اللهم إني أصبحت ضيفا لابن بسطام ، وأمسيت ضيفك ، فاجعل قراي من ثوابك الجنة » [ تاريخ الطبري ، 7 / 59 ] ثم فاضت روحه الطاهرة ، وصمد المقاتلون حتى انتصروا على أعدائهم ، وفتحت « آمل » للإسلام . وبناء على ذلك ، وعلى ما ورد في شعره ندرك أنه شاعر أحداث تاريخية قبل أي شيء آخر ؛ وإذ أرّخ لكل ما شاهده من معارك وفتوحات فقد نذر نفسه للدفاع عن المسلمين ، كما يستشف مما تقدم ومن قوله : كررت عليهم اليحموم كرّا * ككرّ الشّرب آنية المدام فلولا الله ليس له شريك * وضربي قونس الملك الهمام إذن لسعت نساء بني دثار * أمام الترك بادية الخذام ثم هو شاعر عاش في مرحلة بزوغ العصبيات الكبرى والصغرى فخاض غمارها وغمار الصراع الفكري والديني ، فهو شاعر محارب ، وفارس قائد ، ووال حكيم ، وخطيب قدير ، وكاتب مترسل ، وقد تميز بصحة الطبع ، وصدق الموقف ، وكراهة الغدر ، وحدة المزاج . . . وبناء على ذلك كله نقول : لما اجتمعت في نفسه أسباب التعصب لقومه ومذهبه لم يخرج عن إطار العقيدة الإسلامية . لهذا مزج شعره بين الأطر الثلاثة : القبلي ، القومي السياسي ، الديني ، ووفق بينها حين صبغ ذلك بالحكمة وعدم التطرف ، وهو الذي جالس في خراسان عددا من الخوارج ، وعددا من أصحاب الاتجاهات الأخرى ، وعرف في مجالسها