المنجي بوسنينة
797
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
لأن هذه المعركة كانت في سنة ( 5 ه / 627 م ) ، ولم يكن عمر زيد قد تجاوز آنذاك السادسة عشرة سنة ، وقد روي عنه قوله : « أجازني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم الخندق ، وكساني قبطية » [ الطبري ، المعجم الكبير ، ج 5 ، ص 107 ] . ولم تقدم لنا المصادر معلومات حول مدى مساهمة زيد بن ثابت في حروب الرسول صلى اللّه عليه وسلم بعد ذلك ، سوى إشارتها إلى أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم دفع إليه راية بني مالك بن النجار في غزوة تبوك ، لأنه كان أكثر حفظا من غيره للقرآن ، غير أن ابن عبد البر قد رد هذا الخبر ، وقال : عندي لا يصح ، ربما لعدم الارتباط بين متطلبات الحرب وبين تميزه في حفظ القرآن . كانت القراءة والحفظ والكتابة هي أبرز المجالات التي نبغ فيها زيد بن ثابت ، وقدم من خلالها خدمات جليلة للإسلام والأمة منذ أن وضع نفسه بين يدي الرسول صلى اللّه عليه وسلم ليسمعه ما حفظ من القرآن عند مقدمه إلى المدينة . لذا فقد عهد إليه الرسول صلى اللّه عليه وسلم بكتابة الوحي إلى جانب أبي بن كعب وصحابة آخرين ، « وكان زيد ألزم الصحابة لكتاب الوحي » [ الخزاعي ، تخريج الدلالات السمعية ، ص 171 ] . وفضلا عما تقدم ، فقد روي عن زيد ثابت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال له : « تعلم كتاب يهود فإني ما آمن يهود على كتابي ، فتعلمت في نصف شهر حتى كتبت إلى يهود ، وأقرأ له إذا كتبوا إليه » [ الخزاعي ، 219 ] . وعند توسّع علاقات الرسول صلى اللّه عليه وسلم مع الدول المجاورة ، أخذت ترده رسائل مكتوب باللغة السريانية ، فأمر زيد بن ثابت بتعلمها ، فتعلمها في سبعة عشر يوما [ الخزاعي ، 218 - 219 ] . وهكذا فقد تميز زيد بن ثابت عن بقية كتاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم بمعرفة اللغات الأجنبية ، واستخدمها في خدمة علاقات الرسول صلى اللّه عليه وسلم مع هذه الأقوام . كما شارك بقية الصحابة من كتابه صلى اللّه عليه وسلم في كتابة الرسائل إلى الملوك والأمراء بالعربية ، فضلا عن كتابة ما ينزل به الوحي من القرآن الكريم . وبعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم واستشهاد عدد من قراء القرآن في حروب الردة وبخاصة في معركة اليمامة ، اقترح عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق أن يأمر بجمع القرآن ، لأنه كان مفرقا في صدور الرجال وفي صحائف متنوعة ، فأرسل أبو بكر رضي اللّه عنه ، إلى زيد بن ثابت ، حسبما يروي البخاري والترمذي فقال له : « إنك رجل شاب عاقل لا نتّهمك ، قد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتتبع القرآن واجمعه » ، فقام بجمعه من « الرقاع والعسب واللخاف وصدور الرجال . . . وبعد الانتهاء من ذلك وضعت الصحف عند أبي بكل الصديق حتى وفاته ، ثم عند عمر حتى وفاته ، ثم عند حفصة بنت عمر رضي اللّه عنها » [ ابن الديبع الشيباني ، تيسير الوصول ، ج 1 ، ص 203 ] . وفي خلافة عثمان رضي اللّه عنه ، ظهرت الحاجة على توحيد المصاحف على قراءة واحدة منعا للاختلاف بين الناس في قراءة القرآن ، وذلك لأن الخط العربي لم يكن قد عرف التنقيط والتشكيل الذي يساعد على حسن القراءة ودقتها ، وكان حذيفة بن اليمان قد اقترح على عثمان رضي اللّه عنه توحيد المصاحف فوافق على ذلك ، فطلب من حفصة بنت عمر أن ترسل صحف القرآن