المنجي بوسنينة

798

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

لاستنساخها ، ثم أمر زيد بن ثابت ، وعبد اللّه بن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الله بن الحارث ، أن ينسخوها . وقال لهم : « إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم » . ففعلوا ، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف أرسل إلى كل أفق بمصحف ، وأمر بما سوى ذلك من القرآن أن يحرق [ الشيباني ، تيسير الوصول ، ج . 1 ، ص 204 ] . وهكذا فإن جمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه ، كان يهدف إلى جمع الناس على لهجة عربية واحدة هي لهجة قريش منعا للتنازع والاختلاف في وجوه قراءة القرآن . أما جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق فكان القصد منه جمع صحائف القرآن في مصحف واحد وترتيب سوره ، وكان لزيد بن ثابت في كلا الجمعين فضل الريادة والقيادة . إن ملازمة زيد بن ثابت للرسول صلى اللّه عليه وسلم قد ساعدته على معرفة أسباب النزول ، والناسخ والمنسوخ ، والمتقدم والمتأخر من آيات القرآن الكريم . لذا فقد عدّ أحد عشرة صحابة اشتهروا بتفسير القرآن ، وفضلا عما تقدم فقد اشتهر بالفقه ورواية الحديث . وقد شهد له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالتميز في علم المواريث ، فقال : « أفرض أمتي زيد بن ثابت » . أما في الحديث فقد أورد الطبراني 184 حديثا رواها عنه بعض كبار الصحابة والتابعين [ المعجم الكبير ، ج . 5 ، ص 109 - 160 ] . لقد حملت هذه المؤهلات العلمية لزيد بن ثابت الناس والخلفاء على الاستعانة به في مجال الفتوى والقضاء ، فذكر ابن سعد أنه كان « مترئسا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض في عهد عمر وعثمان وعلي في مقامه بالمدينة ، وبعد ذلك خمس سنين حتى ولي معاوية سنة أربعين فكان كذلك أيضا حتى توفي . . . » . [ الطبقات ، ج 2 ، ص 360 ] . وبالنظر لما كان يتمتع به زيد بن ثابت من منزلة رفيعة فقد « استخلفه عمر بن الخطاب على المدينة ثلاث مرات في الحجتين ، وفي خروجه إلى الشام » ، وكذلك كان يفعل عثمان بن عفان إذا حج ، كما استعان به هذان الخليفتان في الكتابة وفي إدارة بعض الأمور المالية [ ابن عبد البر ، الاستيعاب ، ج 2 ، ص 538 - 539 ] . وقد حمل علم زيد بن ثابت الصحابة على النظر إليه بصفته « عالم الناس وحبرها » ، كما جعل بضع كبار الصحابة يظهرون التجلة والتوقير له . فقد روي أن عبد اللّه بن عباس أخذ بركاب زيد بن ثابت فقال له زيد : تنح يا ابن عم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال : هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا . وكان زيد بن ثابت على الرغم من حاجة الناس إلى علمه ، قليل الكلام ، فهو أصمتهم إذا جلس بينهم ، علما بأنه كان من أفكه الناس إذا خلا بأهله . وكان زيد ورعا متواضعا ، فهو يفرق بين حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واجتهاده الشخصي ، فكان يسمح في كتابة الأول وروايته عنه ويرفض كتابة الثاني . وذكر ابن سعد أن مروان بن الحكم « أجلس لزيد بن ثابت رجلا وراء الستر ، ثم دعاه فجلس يسأله ويكتبون ، فنظر إليهم زيد فقال : يا مروان عذرا ، إنما أقول برأيي » [ الطبقات ، ج 2 ، ص 361 ] .