المنجي بوسنينة
736
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الماضي أنها كانت تنزل في برقة النجد الواقعة في سهل قرقرى . قال عبد الله بن شبيب : « كان تويت يهوى امرأة من أهل اليمامة يقال لها سعدى بنت أزهر ، وكان يقول فيها الشعر ، فبلغها شعره من وراء وراء ، ولم تره ، فمر بها يوما ، وهي مع أتراب لها ، فقلن : هذا صاحبك ، وكان دميما ، فقامت إليه وقمن معها ، فضربنه ، وخرّقن ثيابه ، فاستعدى عليهن فلم يعده الوالي ، فأنشأ يقول : إنّ الغواني جرحن في جسدي * من بعد ما قد فرغن من كبدي وقد شققن الرّداء ثمّت لم * يعد عليهن صاحب البلد لم يعدني الأحول المشوم وقد * أبصر ما قد صنعن في جسدي فلما جرى هذا بينه وبينها عقد له في قلبها رقة » . ويبدو أن سعدى وأترابها ضربنه ضربا لا يخلو من قسوة ظهر أثره على ثيابه وجسده ، مما دفعة إلى أن يشكو ما فعلن به إلى والي اليمامة ، غير أنه لم يلتفت إلى شكايته ولم ينصفه منهن ، وكيف يقبل دعواه على امرأة شبّب بها وشهرها في شعره ؟ وكان الأجدر بتويت أن يصبر على ما أصابه ، وان يسكت ولو كان السكوت على مضض . وأرى شكواه إلى الوالي في هذا الموقف ضعفا وتخاذلا ، لأنه رجل ، واللواتي استسلم لضربهنّ نسوة . وكانت سعدى بعد هذه الحادثة تتعرض له إذا مرّ بها ، واجتاز يوما بفنائها فلم تتوار عنه ، وأرته أنها لم تره ، فلما وقف مليا سترت وجهها بخمارها ، فقال تويت : ألا أيها الثّار الذي ليس نائما * على ترة إن متّ من حبّها غدا خذوا بدمي سعدى فسعدى منيتها * غداة النقا صادت فؤادا مقصّدا بآية ما ردّت غداة لقيتها * على طرف عينيها الرداء المورّدا والذي يظهر لي أن حبه لسعدى كان الحدث البارز في حياته ، وأن غيره من الأحداث لم يكن له من الأثر والخطر ما يستحق أن يدونه في شعر ، في حين ظفر حبه بهذه المقطوعات التي تفيض رقة وعذوبة ، ولذلك نراه يصاب بخيبة أمل كبيرة ، وشعور عميق بالإحباط والغيرة حين زوجت سعدى إلى منافسه يحيى بن أبي حفصة الشاعر اليمامي ، وكان يحيى أكثر منه مالا ويسارا ، وأعظم جاها وشهرة ، وعرف عنه بأنه كريم جواد . ولم يكن تويت على شيء من الجمال وحسن المنظر ، فتتعلق به قلوب الغانيات ، وتشرئب إليه أبصارهن . وأرى أن ليحيى نصيبا مما افتقده تويت . ولما تزوجها يحيى حجبها ، وانقطع ما بينها وبين تويت ، فكان وقع ذلك على قلبه أليما ، عبّر عنه بهجائه يحيى بقوله : عناء سيق للقلب الطّروب * فقد حجبت معذّبة القلوب أقول وقد عرفت لها محلا * ففاضت عبرة العين السّكوب ألا يا دار سعدى كلّمينا * وما في دار سعدى من مجيب