المنجي بوسنينة

720

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

غير أنّ بعض الباحثين المحدثين أبانوا عن بعض نقائص خريطة العالم للتونسي وهي التي كتبت باللغة العثمانية ، لغة العصر آنذاك ، وواضعها لا يحسن على ما يبدو تلك اللغة إذ كان من أصل تونسيّ ، وترعرع بالمغرب ، واستقرّ أخيرا بالبندقية ؛ فكثرت بها تبعا لذلك الأخطاء النحوية والصرفية والرسميّة وحتّى المعرفية كما جاءت أسماء المدن مطبوعة بلغة مصادرها الإيطالية أو الإنقليزية أو الإسبانية عدا اسم مدينة البندقية المشهورة عربيّا بهذا الاسم ( دور تجاري ) بل إنّ التونسي قد سمّي بلاده المغرب ، مارقو Marocco حينا ، ومرق Maroc حينا آخر كما هي معروفة ببلاد الإفرنج ، وسمّاها طورا ثالثا مراكش بمتن الخريطة . وقد التبس الأمر على قلّة من الباحثين صار معها بعضهم يشكك في وجود شخص التونسي فعليّا مفترضا أنّ هذا « الاسم المستعار » ليس سوى غطاء لشخصيات إيطالية كانت لها مصالح تجارية هامّة لإنجاز هذه الخريطة بلغة عثمانية بغاية ترويج بضاعتها تلك في العالم الاسلامي لا غير . ومهما كانت الأوضاع ، وأيّا كانت الافتراضات الجانبية التي لا تركن سوى لتخمينات ، فإن وجود بعض الأخطاء في متن النصّ . . . لا يبيح التشكيك في نسبة الخريطة إلى صاحبها الجغرافي الحاج أحمد التونسي جملة وتفصيلا . إذ يجب في تقديرنا تقسيم الأدوار في عمليّة إنجاز هذه الخريطة المعتبرة إلى 3 مراحل : المرحلة الأولى : تتمثّل في تجميع مادة الخريطة ثمّ تأليفها ووضعها فإنجاز مفاتيحها وكتابة النصوص المصاحبة لها . وتلك هي مهمّة الحاج أحمد التونسي التي قام بها بسلام فيما بين سنتي 967 - 976 ه / 58 - 1560 م ، وقد حاول فيها التونسي أن يخرج العمل في أحسن صورة خدمة لإخوانه المسلمين كما يقول ، وتلبية لرغبة سيّده الذي أرادها أن تكون باللغة التركية . فتسرّبت بعض الأخطاء كما تسرّبت بعض الألفاظ العربية إلى النصّ العثماني مثل « كما » ، « لأنه » ، « كذلك » ، « ليس » ، « مشار إليه » ، بما يؤكد أنّ النصّ كان عربيّا في الأصل ثم « عثمن » . المرحلة الثانية : وتهمّ هذه المرحلة عملية نقش الخريطة التي تمّ تأليفها على ألواح خشب التفّاح تهيئة لطبعها بأعداد كبيرة . ولم تكن هذه المرحلة ذاتها خالية من المخاطر . فالبندقية وغيرها من دول أوروبا كانت في صراع مفتوح مع العثمانيين والعالم الإسلامي ، فكانت عمليّات النقش تتمّ في سريّة تامّة خوفا من تعقّب الصنّاع وهو ما يكون مدخلا لتسجيل بعض الأخطاء والنقائص الإضافية الأخرى . كما أسعفتنا وثائق مجلس الشيوخ بمدينة البندقية ذاتها بأدلّة وبراهين عن تعقّب عملة النقاشة وغيرهم من الراغبين في طباعة هذه الخريطة - خريطة العالم بالأحرف العربية - التي أعدّها التونسي ، بل ومحاكمته إثر تقديم شهادات الإدانة ضدّهم قبل سنة 1568 م تاريخ محرقة الكتب باللغة العبريّة وغيرها من التآليف « المعادية للمسيحيّة » . ويبدو أنّ خريطة الحاج أحمد التونسي قد تجاوزت هذه المرحلة بصعوبة كبرى رغم اتّخاد كلّ الحيطة والحذر في الشأن . بقيت المرحلة الأخيرة الثالثة الخاصّة