المنجي بوسنينة
721
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
بالطباعة ، وهي مرحلة ذات أبعاد سياسية دينيّة وتجاريّة خطيرة ، ذلك أنّ الحاجة إلى مثل هذا النوع من الخرائط قد تعاظمت بالدولة العثمانية إذ شهدت هذه الدولة مع السلطان سليمان القانوني ( حكم 1520 - 1566 م ) أوج عظمتها وبداية أعظم توسّعاتها سيّما منذ منتصف القرن 16 ، إذ اتّجهت هذه التوسّعات أكثر فأكثر نحو أوروبا الوسطى والحوض الغربي للمتوسّط ، فتجدّدت طلبات القادة العثمانيين ( السياسيين منهم خاصّة والعسكريين ) إلى البنادقة ومجلسهم تحديدا منذ سنوات 52 - 1553 م بغاية بيعهم خرائط العالم وهي طلبات ملحّة تغاضى عنها أصحاب القرار بمجلس الشيوخ لاعتبارات سياسيّة واضحة ترتبط بالتخوّف إزاء التوسّع المتزايد للعثمانيين في اتجاه البلاد اليونانية وجزرها . أمّا من الناحية التجارية ، فإنّ هذا الحظر لم يكن ليروق لبعض الناشرين من أمثال مارك انطونيو غستنياني Marc ) ( Antonio Gustiniani صاحب امتياز نشر خريطة التونسي إثر نقشها على الألواح . فقد استرحم هذا الناشر مرات المجلس ليؤذن له في استرجاع ألواحه بعد منعه من الطباعة ومحاكمته سنة 1568 م . فوافق المجلس شريطة أن لا يطبع الخريطة دون ترخيص من المجلس . ومثلما نلاحظ صارت خريطة التونسي في قلب صراع سياسي وتجاريّ مفتوح حوكم إثره غستنياني مرّة أخرى سنة 1570 بتهمة امتلاكه خرائط « شيطانية » إذ هي كتبت باللغة العثمانية ، سيّما أنّ صاحبها كان يعرض الواحدة للبيع بثمن لا يقل عن 100 دوكا ( ما يوازي ثمن كراء قصر فاخر بالبندقية طيلة سنة كاملة ) وقد آلت المحاكمة فيما آلت إليه إلى حجز ألواح الخريطة بصورة نهائية وحفظها بصندوق بإحدى حجرات مجلس العشرة بالبندقية ، وبقيت الألواح هناك طيلة أكثر من قرنين ، إلى أن كتب بشأنها القسّ الماروني سيمون السمعاني AbbeSimone ) ( Assemani أستاذ اللغات الشرقية بجامعة بادو مذكّرة سنة 1795 م إثر طباعة 24 نسخة من هذه الخريطة على سبيل الاطلاع على محتواها والتعرّف عليها . ومنذ ذاك الوقت رفعت الألواح لتحفظ نهائيّا إلى اليوم بمكتبة القديس مرقص بالبندقية ، إذ يتخوّف المختصون من إتلاف الأثر الجغرافي والألواح نهائيا إن هم جازفوا بطباعة الخريطة مجدّدا ، على حين كرّم القسّ بميدالية ضربت للغرض . وعلى أيّ حال ينتشر عدد لا يستهان به من نسخ هذه الخريطة بمتاحف ومكتبات أوروبا إلى اليوم . المصادر والمراجع كراتشوفسكي ، أغناطيوس ، تاريخ الأدب الجغرافي العربي ، نقله عن الروسية صلاح الدين عثمان هاشم ط . م . بيروت 1987 ، 499 - 500 ؛ محفوظ ، محمد ، تراجم المؤلفين التونسيين ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت 1982 ، 1 / 265 .