المنجي بوسنينة
715
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
سنوات عديدة لمتابعة القضية دفاعا عن الحقوق التونسية . وكانت هذه الإقامات المتتالية الطويلة نسبيا فرصة اغتنمها حسين في التّعرف عن كثب على الحضارة الأوروبية والتملّي في الجوانب المضيئة فيها لأخذها وتطبيقها في المجتمعات الإسلامية . وبحكم هذه الأسفار الكثيرة ارتبط حسين بعلاقات وصداقات مع العديد من رجال النهضة مثل الطهطاوي والشدياق والأفغاني وعبده وإبراهيم المويلحي وغيرهم ، وكانت له مشاركة في الحياة الثقافية والعثمانية عامّة . فنراه ينظّم المسابقات الأدبية على صفحات الجرائد العربية مثل « الجوائب » ويمنح الجوائز للفائزين من أيّ قطر . كما تدفعه الغيرة على القوى التحررية ضدّ الفساد والنفوذ الأجنبي المتنامي بالبلاد العربية إلى الوقوف مع المظلومين والثائرين مثل إيفاده محاميا إنجليزيا للدفاع عن أحمد عرابي لما قدّم إلى المحاكمة على إثر فشل ثورته ، رغم ما كان يمرّ به حسين من ضيق ذات اليد ، وقد جرّد من كافة وظائفه بإيعاز من الفرنسيين الذين لم يهادنهم بل حاول أن يتصدّى لهم . ونسجّل كذلك مساعدته المعتبرة للعروة الوثقى بالدعم المادّي والسياسي فقد كان جلّ تمويلها منه أو عن طريقه . وكان حسين عدا أعماله وإنجازاته الاجتماعية والثقافية ، مصلحا حقيقيا تحدوه رغبة في النهوض بتونس وبالعالم الإسلامي قاطبة . استند في تكوينه الثقافي على تأصيل في التراث شغف به منذ فترة الطّلب لمدرسة المهندسين بباردو على يد أستاذه الشيخ محمود قبادو الذي نفث في دروسه وأشعاره روحا إصلاحية جريئة ، ثمّ تعزز بمطالعاته وملازمته لرفيقه الشيخ المصلح سالم بوحاجب الذي كان ذا باع طويل في المعارف الشرعية واللغوية ، وأستاذا لأكثر من جيل . كما تميّز حسين من بين كافة المصلحين التونسيين ، بل وأكثر المصلحين العرب ، بمعرفة عميقة للتيارات الفكرية والإيديولوجية المعاصرة له في أوروبا ، فنراه ينزع منزعا قريبا من الفكر الاجتماعي ذي الصبغة الاشتراكية الرائج بفرنسا في عهد الإمبراطورية الثانية ، إذ هو يشي في عديد آرائه بإحالات مرجعية قريبة من أفكار سان سيمون وأتباعه الذين كانوا نشيطين اقتصاديا وعلميا في أكثر من قطر بما في ذلك مصر والجزائر وتونس . ونستشفّ آراءه في التربية من خلال إنجازاته العلمية وبعض كتاباته المتصلة بقضايا التعليم مثل التقرير الذي صاغه على إثر زيارة إلى جامع الزيتونة في 1289 ه / 1872 م فضمّنه انتقادات صريحة لما عليه الوضع التربوي وشخّص ما عليه من نواقص وعيوب . من ذلك خلوّ البرامج المقرّرة من بعض العلوم بما في ذلك العلوم الدينية مثل التفسير ، وهيمنة الدروس اللغوية وخاصة علم النحو المفروض فيه أنّه مجرّد وسيلة لصيانة اللّسان عن الخطأ وليس هدفا في ذاته ، فيذكر : « إنّ الفنون صارت عندنا مقصودة بالذات ، فالنّحو مثلا الذي اشتهر تشبيهه بالملح في الطعام يوجد منه بالجامع الأعظم ما يزيد على النصف باعتبار دروس المتطوّعين ، فما نحن والحالة هذه إلّا كمن يأكل الملح بالطعام لا الطعام بالملح » . وينتقد حسين الكتب المقرّرة لاختلاف اصطلاحاتها وكثرة ما تورده من