المنجي بوسنينة

709

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

السّلطان علي بن يوسف باعتقال ابن تومرت وأصحابه فلم يعمل بالنصيحة واكتفى بأمره بالخروج من البلد . لكن ابن تومرت لم يبتعد عن المدينة ؛ غادرها وأقام في خيمة خارجها ، وجلس فيها للدعوة والتدريس وغيّر في لهجة خطابه فأصبح يدعو لأوّل مرّة إلى الثورة على الحكّام حين وجد من الناس إقبالا . ولمّا وصل الخبر إلى الأمير أحضره ثانية وأنذره ، ثمّ أمره بالخروج من المدينة وضواحيها . ويبدو أنّ الأمير اقتنع هذه المرّة بضرورة التخلّص منه وقتله . فلمّا شعر ابن تومرت بالخطر أسرع مغادرا مع عشرة من أصحابه نحو أغمات . ومنها خرج إلى مسفيوة ثمّ إلى هنتاتة ، ولقيه بها الشيخ عمر بن يحيى الهنتاتي جدّ الحفصيين ملوك تونس ، ومنها إلى موطن قبيلته هرغة ، وذلك سنة 515 ه / 1121 م ، وبنى رابطة للعبادة ، فاجتمع عليه الطلبة من القبائل وأخذ يعلّمهم « المرشدة » باللسان البربري ، وشاع أمره ، ثمّ داخل عامل لمتونة على السوس أبو محمد اللمتوني أناسا من هرغة في قتله ، فنقله أتباعه إلى معقل حصين ، ودعوا المصامدة إلى مبايعته عقب صلاة الجمعة يوم 15 رمضان من سنة 515 ه / 1121 م . ولمّا كان الغد هو يوم السبت ، خرج ابن تومرت في أصحابه العشرة متقلّدين السّيوف وتقدّم إلى الجامع ، فصعد المنبر وخطب في الناس وأعلمهم أنّه المهدي المنتظر ولقّبوه بالمهدي ، وكان قبل البيعة يعرف بالإمام . زحف عامل لمتونة بالسوس على هرغة ، فكانت الهزيمة على المرابطين ، وتردّدت عساكر لمتونة على الموحّدين مرّة بعد أخرى ففضّوهم . وانتقل ابن تومرت لثلاث سنين من بيعته إلى جبل تينمل فاستوطنه لمناعته ، وبنى به مسجده ، واتّخذه قاعدة لدعوته [ أخبار المهدي ، 31 - 32 ؛ نظم الجمان ، 23 ؛ وفيات الأعيان ، 5 / 50 ؛ تاريخ الدّولتين ، 5 - 6 ؛ القرطاس ، 176 - 17 ؛ العبر ، 6 / 465 - 469 ؛ الكامل ، 8 / 296 ؛ خلال جزولة ، 167 ؛ الإعلام ، 4 / 64 - 65 ] . ولم يزل ابن تومرت يبثّ دعوته بين المصامدة حتّى جهّز جيشا عدد رجاله عشرة آلاف بين فارس وراجل ، وافتتح بهم عددا من المناطق بجبل درن ، ثمّ بعث بهم إلى حصار مرّاكش ، فكانت الدائرة عليهم في البحيرة ، واستأصلت هذه المعركة أغلب أصحابه وكادت تأتي عليهم جميعا ، كما كانت سببا في وفاته [ وفيّات الأعيان ، 5 / 50 ؛ القرطاس ، 176 - 178 ؛ الإعلام ، 4 / 67 ] . توفّي المهدي ابن تومرت يوم الأربعاء الثالث عشر من رمضان سنة 524 ه / 20 غشت 1130 م ، عقب هزيمة الموحّدين في معركة البحيرة [ أخبار المهدي ، 43 ؛ نظم الجمان ، 167 ؛ وفيات الأعيان ، 5 / 53 ؛ المعجب ، 262 ؛ رقم الحلل ، 6 ؛ القرطاس ، 180 ] ، وانفرد ابن خلدون بالقول [ رقم الحلل ، 57 ؛ الإعلام ، 4 / 60 - 72 ] . قال العبّاس بن إبراهيم إنّ ابن تومرت كان ورعا ، ناسكا ، ومتقشّفا ، مخشوشنا ، كثير الإطراق ، بسّاما في وجوه الناس ، مقبلا على العبادة ، لا يصحبه من متاع الدنيا إلّا عصا وركوة [ الإعلام ، 4 / 59 ] . وذكر الحسن بن عبد اللّه ما يخالف ذلك في معرض حديثه عن الزهّاد الذين يبالغون في التعفّف والعبادة ،