المنجي بوسنينة
710
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
والبعد عن طعام الملوك ، وأبوابهم وصلاتهم ومقصودهم بذلك أنّ تتبّعهم العامّة ، ومثّل على هؤلاء بالمهدي ابن تومرت الذي « دخل المغرب على زيّ الزهّاد بالمرقعة والعكّاز ، وأظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فكان من أمره ما كان من سقوط دولة الملثّمين » [ تاريخ الأوّل ، 62 - 63 ] . رتّب ابن تومرت قومه ترتيبا غريبا ، فمنهم أهل الدار وأهل الجماعة ، وأهل الساقة ، وأهل خمسين ، وأهل سبعين ، والطلبة والحفاظ وأهل القبائل . فأهل الدار للامتهان والخدمة ، وأهل الجماعة للتفاوض والمشورة ، وأهل الساقة للمباهات ، وأهل سبعين وخمسين والحفّاظ والطّلبة لحمل العلم والتلقّي ، وسائر القبائل لمدافعة العدوّ [ نظم الجمان ، 82 - 87 ؛ القرطاس ، 176 - 177 ؛ رقم الحلل ، 79 ؛ الكامل ، 8 / 298 ، الإعلام ، 4 / 74 ] . وكان متيقّظا في أحواله ، ضابطا لما ولي من سلطانه ، ذا سياسة وناموس عظيم ، غير متوقّف في سفك الدّماء ، يهون عليه إتلاف عالم في بلوغ غرضه ، وكان حصورا لا يأتي النساء . عمل مع البشير الونشريسي حيلة قتل بها كلّ من خالف أمره [ الإعلام ، 4 / 67 - 72 ] ، كما عمل الحيلة على قومه بعد هزيمتهم في معركة البحيرة بأن جعلهم يعتقدون بأنّه يكلّم الموتى . ذلك أنّه انتخب بعضا من أتباعه المخلصين ودفنهم أحياء بموضع المعركة : « وقال لهم : إذا سئلتم عن حالكم ، فقولوا : قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّا ، وأنّ ما دعا إليه الإمام المهدي هو الحقّ » . ثمّ أتى بقومه حتّى سمعوهم فأهال عليهم التّراب حتّى لا يخرج خبرهم [ وفيات الأعيان ، 5 / 54 ؛ المعجب ، 250 ؛ القرطاس ، 182 ؛ شذرات الذّهب ، 4 / 72 ؛ الإعلام ، 4 / 72 ] . وهو أوّل من أحدث ( أصبح وللّه الحمد ) في آذان الصبح [ العبر ، 6 / 341 ] . ولمّا كان المهدي صاحب دعوة سياسيّة ذات مضمون عقدي ، حرص على تبليغ آرائه السّياسيّة بالخطب والمواعظ وإنشاء الرسائل وتأليف الكتب ، مستفيدا في ذلك من ملكته الأدبيّة وفصاحته في اللّسان العربي والمغربي . وقد احتفظت كتب التاريخ والتراجم بالعديد من الرسائل السّياسيّة والخطب الوعظيّة التّي ألّفها لأتباعه من الموحّدين . آثاره 1 - أعزّ ما يطلب ، وهو مجموعة من الرسائل والتعاليق ألّفها المهدي في مواضيع مختلفة ، وهو على ذلك مجموعة كتب وليس كتابا واحدا . أمّا عنوانه « أعزّ ما يطلب » فهو عنوان كتاب من الكتب التي يشمل عليها هذا المجموع ، وهو أوّلها في الترتيب . قال ابن خلدون : « افتتحه بأعزّ ما يطلب ، وصار هذا المفتتح لقبا على ذلك الكتاب » [ العبر ، 6 / 302 ] . وهو كتاب في الفقه والعقيدة رواه عنه خليفته عبد المؤمن . ويتبيّن من خلال فصوله ومباحثه أنّ عقيدة ابن تومرت تتمحور حول مسألتين رئيسيّتين في الكلام الإسلامي الوسيط ، هما : مسألة التّوحيد ومسألة الإمامة [ أعزّ ما يطلب ، 230 - 231 ، 244 - 245 ، 264 ، 267 ، 272 ؛ معلمة المغرب ، 8 / 2640 - 2641 ] . ولأجل ذلك قال