المنجي بوسنينة
507
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
جسام الأحداث الداخليّة والتحدّيات الخارجيّة ، مما زاد تاريخ الأمة في البلاد إرهاقا ، وانعكس ذلك على طبيعة البيئة الاجتماعيّة ، وخصائصها العنصريّة ، فاستحال المجتمع الأندلسي بمرور الزمن وتعاقب الحوادث والدول ، والمؤثرات المختلفة إلى أمّة عربيّة إسلاميّة ذات طابع مستقل ومميزات خاصّة ، تدعمها مجموعة من الخلال الرفيعة ، وتصقلها حضارة راقية زاهرة . وكان سلاطين غرناطة جريا على سنن أسلافهم من حماة العلوم والآداب ، وكانوا هم أنفسهم في طليعة العلماء والأدباء والشعراء ، وقد بلغت الحركة العلميّة ذروتها في عصر السلطان أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل ( 733 ه / 1333 م - 755 ه / 1354 م ) ، وولده السلطان محمد الغني باللّه ( 755 ه / 1354 م - 793 ه / 1390 م ) ، وفي عصر هذين السلطانين ظهرت عالميّة التغلبي ومكانته بين علماء العصر . عرف التغلبي بالدين المتين ، والتزام مذهب الجماعة ، ومن ثمّ فقد كان من أهل الخير والطهارة والفضل وحسن الخلق ، موصوفا بالذكاء ، رأس بنفسه ، وعلا بفضل ذاته ، وبرز بمزية إدراكه وحفظه ، وبرع في علوم العربيّة من نحو ولغة ، وفي علوم القرآن من قراءات وتفسير . أمّا الفقه فهو فيه إمام وقته ، وعليه مدار الفتوى ، وإليه المرجع في المسائل المعضلة بغرناطة وغيرها من مدن الأندلس ، وله في علوم الفرائض والتوثيق والأصلين تقدّم ونبوغ ، فضلا عن جودة الخط وحسن النظم والنثر ، وقد سلّم له معاصروه بالمهارة والإتقان حتّى صار المعول عليه في كثير من العلوم ، ولقب باستحقاق عال بشيخ الشيوخ وأستاذ الأساتذة . ومع ذلك فقد كان حافظا لمقام الآخرين من علماء العصر ، يراسل أبا عبد الله محمد بن أحمد بن علي الشريف الحسني التلمساني ( ت 771 ه / 1369 م ) كلما أشكلت عليه مسألة من مسائل العلم ، ويطلب منه بيان ما أشكل عليه [ المقرّي ، 8 / 172 ] . تصدّر للتدريس بغرناطة على وفرة الشيوخ ، ودرس بالمدرسة النصريّة في الثامن والعشرين من رجب سنة 754 ه 29 آب 1353 م ، وولي خطابة الجامع الأعظم ، وظلّ في منصبه معظما عند الخاصّة والعامّة إلى أن مات . قضى التغلبي سني عمره كلها في التدريس والتأليف وخدمة أهل العلم ، وكانت دروسه منقحة الإيراد ، يحضرها الشيوخ ونبهاء الطلبة ، فيجري معهم على منهج البحث والنظر والتحليل والمذاكرة [ نيل الابتهاج ، 221 ] . وكانت له في الفقه بحوث وآراء تجري في الميدانين النظري والتطبيقي في آن واحد ، وكلاهما مطلوب ، فالميدان النظري وهو ( التفقه ) يعد البداية لينتهي إلى ميدان التطبيق وليصبح ( فقها ) يقوم عليه العمل فيما ينفع الناس ، وفيما شجر بينهم . وله في ذلك قواعد في الفتاوى مشهورة ، واستنباطات أخذت عنه ، منها : جواز الفتوى بمراعاة اللفظ والميل إلى جانبه ، وعدم التشديد على السائل إن جاء مستفتيا . ووقع في زمانه خلاف بين علماء الأندلس حول جواز ضرب الخراج على الناس عند