المنجي بوسنينة
374
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
محضة . إنه حقيقة مطلقة ، وغير مرتبطة بوجهات النظر والأهواء ، لأنه وجهة نظر الله ، الأساس الثابت لكل حقيقة . وهو ليس مجرد معرفة نظرية مجردة ، بل هو معرفة خلاصية ، وبالتالي ضرورية لكل الناس لكي يحققوا كمال كيانهم الإنساني بعون علوي يأتي الإنسان بشكل الوحي والفداء . وهذا الإيمان قيمة مطلقة . إنه هبة من الله تبلغنا بواسطة خدمة الكنيسة . إنه يسمو على العقل ، على الرغم من أنه يخاطب فينا العقل الذي هو العنصر الأكثر تجردا في الإنسان ، بحيث يتيح الحوار مع الآخرين . ففي العقل انفتاح على الإيمان . والإيمان ، بالرغم من معارضته للعقل بعض الشيء ، يشبع تطلعاته . هذه النظرة إلى الإيمان ، عند أبي قرة ، هي التي سمحت له بمخاطبة الذين هم خارج الكنيسة ، مخاطبة ذات أبعاد عقلانية . يتلخص موقف ثاودوروس أبي قرة بهذه العبارة : إنه لمن المناسب للعقل أن نؤمن . فإيضاح العقيدة ، لا يهمه مباشرة . بل المهم عنده هو أن يستخرج من العقيدة ما هو مطابق للعقل . لقد ناضل أبو قرة على جبهتين : فعلى الجبهة الداخلية ، حاول إعادة الوحدة بين المسيحيين حول تحديد المجمع الخلقيدوني . وعلى الجبهة الخارجية ، تجاه الدين الإسلامي المنتصر ، حاول إظهار حقيقة الديانة المسيحية ، وإيضاح عقلانية معتقداتها . وإذ لم يتمكن من إقناع محاوريه المسلمين ، فإنه تمكن من أن يفرض عليهم احترام المعتقد المسيحي . إن موقف أبي قرة من هذه القضية يشبه إلى حد بعيد موقف القديس أوغسطينوس ، إذ إنه يعتبر أن الإيمان ضروري لأنه نعمة من الله . والعقل ضروري لمعرفة هل كان الإيمان في محله ؟ يقول أبو قرة عن علاقة الإيمان بالعقل ، في مقال له بعنوان « في التوحيد والتثليث » : « إن الإيمان هو اليقين بما قد غاب من المعرفة ، كما تحيط به المعرفة . فالإيمان لا يتولى إلا بحب ، كما قال ماربولس : إن الإيمان هو من سماع الأذن . فالناس كافة ، في الإيمان بما جاء من عند الله ، ثلاثة : منهم من يعطل الإيمان بتاتا ، متعظما عن أن يكون عقله تبعا لخبر لم يحط به معرفته . ومنهم من قد بذل عقله لقبول خبر يأتيه من الله لا تحيط به معرفته ، غير أنه يهمل إيمانه ، ولا يوكل به عقله أن يحتاط له نظرا ، حتى يجعله في مكانه . ومنهم من يخضع ذهنه للتصديق بخبر يسند إلى الله ولا يستند إلى الله ، ولا يخلي إيمانه أن يعود كالسفينة التي لا ربان فيها ولا نوتية ، بل يدبر عقله حتى يضعه في مكانه ، ثم يرخيه بكل ما خرج من ذلك الموضع ، الذي قضى له العقل بالحقيقة أن يستحق أن يصدق في ما أسند من الكلام إلى الله » . فالناس في موقفهم من الإيمان هم ، إذا ، ثلاث فئات : منهم من يرفضون الإيمان بما لم يحيطوا بمعرفته شخصيا . ومنهم من يؤمنون بما يقال لهم أنه من الله ، دون أن يمعنوا النظر ليعرفوا هل هو حقيقة من الله . ومنهم من يؤمنون بعد أن يعملوا الروية ، ويدركوا صحة نسبة هذا القول إلى الله . فالذي يرفض أن يؤمن ، لا بد أن يبقى جاهلا ، لأن هناك أمورا كثيرة لا نصل إليها إلا بالشهادة والتصديق . وطالما أن الإنسان يصدق الكثيرين ويطمئن إليهم ، فلم لا يصدق من يرسلهم الله ؟ أما الذي يؤمن دون أن يمعن