المنجي بوسنينة
375
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
التفكير في موضوع إيمانه ، فهو أشبه بمن يغمض عينيه ، ويمكّن من يده من يهديه في الطريق ، من غير أن يعلم إن كان هاديه ناصحا له أو غاشا ، وهاديا بالطريق أو ضالا . وأما الذي يخضع لعقله التصديق بالخبر عن الله ، فيكون عدلا في تدبير إيمانه ، إذ يجعله في موضعه . ويسهب أبو قرة في عدة مقالات في البراهين على صحة الديانة المسيحية ، وضرورة تصديق ما جاء في الإنجيل ، بيد أنّه لا يدعي أن أسرار الديانة المسيحية تعرف بالعقل . فهو يستند إلى شهادات الكتب . لكن براهينه العقلية يستخدمها لدعم معتقد الضعفاء ، ورد هجمات الأعداء ، وإثبات عدم التناقض فيها . يعتبر تاودوروس أبو قرة أن الإنسان يملك وسيلتين متميزتين للمعرفة : الحواس الخارجية والعقل الباطن . فالعقل ينطلق من معطيات الحواس الجزئية والوضعية ، ولكنه يتعدى نطاقها بعمليتين : في الأول ، يتوصل العقل إلى إصدار أحكام شاملة حول الأنواع ، وإلى معرفة طبيعة الأشياء ومجمل الوجود الحسي والواقعي المعطى لنا . ويبدو هنا دور العقل وكأنه تعميم لمعطيات الحواس الأولية . وهذه المعطيات هي جزئية وفردية . والعقل ينتقل من الجزء إلى الكل ، ومن الفرد إلى النوع ، ومن الأنواع المتشابهة إلى الجنس ، ومن مختلف الأجناس إلى الوجود . يقوم دور العقل إذا على الاستقراء والتعميم المتزايد الشمول . ولكنّ أبا قرة لا يتعمق في تحليل جوهر المعرفة العقلية وإثبات شرعيتها ، فكأنها لا تتميز جوهريا عن معرفة الحواس ، لا سيما أن دور العقل يظهر كأنه مجرد انفعال . أما تمييز العقل عن الحواس فينحصر فقط في قدرته وإمكانيته على التعميم . وعلى الرغم من أنه يتكلم عن المعرفة العقلية باعتبارها نوعا من الانفعال ، فإنها تتوصل إلى إصدار أحكام شاملة تتعدى معطيات الاختبار الحسي . هذه النتيجة تحتاج فلسفيا إلى إثبات وحجج ، وموقف نقدي من المعرفة لم يقم به أبو قرة . أما في الثانية ، فإن العقل يتوصل ، انطلاقا من النتائج والآثار ، إلى معرفة الأسباب التي لم تدركها الحواس من قبل . إن العقل يستشعر بنوعية الفعل ، ومن ثم صفات الفاعل . إن هذا الانفتاح غير المحدود ، الذي ينعم به العقل ، يمكّنه من السمو ، ليس فقط بالنسبة إلى الواقع الحسي ، بل بالنسبة أيضا إلى العالم بأكمله ، فيبلغ إلى معرفة الله . إنها محاولة تظهر كيف يقدر الإنسان ، بالقياس العقلي ، أن يصل إلى معرفة الخالق . ولكن يبدو واضحا أن العقل يملك فكرة الخالق ، قبل أي تحليل فلسفي . ومحاولته هذه ليست إلا جهدا فكريا للبلوغ ، بواسطة المنطق ، إلى معطيات الإيمان . هناك إذن خلفية إيمانية حاصلة ، ولكن أبا قرة يستخدم العقل وأساليبه الخاصة ، وبموجب قواعد المنطق لإبراز هذا المعطى الأولي . فإذا حاولنا أن نحدد ما هو دور كل من الإيمان والعقل في هذه المحاولة لإثبات وجود الخالق ، يمكن القول بأن الإيمان يعمل على مثال العلة الغائبة ، بينما العمل الفعلي هو كله من العقل الفلسفي . إلا أن أبا قرة يعارض أرسطو في مسألة المادة الأزلية والصانع الأزلي . فالله بالنسبة إلى أرسطو هو الصانع ، أو العلة الفاعلة ؛ بمعنى أن المادة ، أو الهيولي أزلية ، والصورة المحضة أزلية . وبالتالي فالكون صنع من مادة