المنجي بوسنينة
345
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
عليها إلّا من كان حكيما . بل إن رجاحة العقل تتجلّى عند الغارة في تدبّر منفذ الهروب والفرار إذا « جدّ الجدّ » . فممّا يروى عنه أنه تسلّل إلى غار عسل في ديار بني هذيل ولمّا حوصر نفذ من شقّ في الغار يؤدّي إلى واد سحيق فشدّ زقّا إلى صدره بالحبل ولم يزل يزلق على العسل حتى فاتهم ونجا من موت محقّق . يقول معتبرا المقدرة على الفرار حنكة وحكمة ، من الطويل : [ ديوانه ، ص . 86 - 91 ] . إذا المرء لم يحتل وقد جدّ جدّه * أضاع وقاسى أمره وهو مدبر ولكن أخو الحزم الّذي ليس نازلا * به الخطب إلّا وهو للقصد مبصر فذاك قريع الدّهر ما عاش حوّل * إذا سدّ منه منخر جاش منخر فرشت لها صدري فزلّ عن الصّفا * به جؤجؤ عبل ومتن مخصّر فخالط سهل الأرض لم يكدح الصّفا * به كدحة والموت خزيان ينظر فأبت إلى فهم وما كدت آيبا * وكم مثلها فارقتها وهي تصفر هذا التصرّف في معاني الفخر وفي القيم التي عليها جريانه عادة هو الذي جعل تأبّط شرّا يمجّد فكرة المقدرة على الهرب ذاتها وكثيرا ما يصور لحظات هروبه وإفلاته من أيدي أعدائه ويسند إلى نفسه خصلة المقدرة على العدو حتى لا نظير ولا شبيه . يقول مصوّرا لحظات هروبه من ديار قبيلة بجيلة مشبّها سرعته في الهرب بسرعة الظبي وطير الجبل ، من البسيط : [ ديوانه ، ص . 129 - 133 ] . إنّي إذا خلّة ضنّت بنائلها * وأمسكت بضعيف الوصل أحذاق نجوت منها نجائي من بجيلة إذ * ألقيت ليلة خبت الرّهط أرواقي ليلة صاحوا وأغروا بي سراعهم * بالعيكتين لدى معدى ابن برّاق كأنّما حثحثوا حصّا قوادمه * أو أمّ خشف بذي شثّ وطبّاق لا شيء أسرع منّي ليس ذا عذر * وذا جناح بجنب الرّيد خفّاق طرق تأبّط شرّا غرض الرثاء أيضا فرثى الشنفرى بقصيدة مطلعها ، من الطويل : [ ديوانه ، ص . 78 ] . على الشّنفرى ساري الغمام ورائح * غزير الكلى وصيّب الماء باكر واتّبع في مرثيته السنن التي عليها جريان المراثي في عصره فاستمطر على قبر الشنفرى السحاب الكثير الماء ثمّ عدّد خصاله فذكر إقدامه وشجاعته وكرمه واختتم مرثيته ، على عادة الشعراء القدامى بكلام في الحكمة . لكن اللّافت في أشعار تأبّط شرّا أنها تدور جميعا حول غزواته وغاراته وأمجاده . وهي أشعار لا تكتفي برسم صورة البطل المقدام الذي نازل الأبطال فصرعهم ونازل الغيلان فبطش بها وتمكّن من مضاجعتها ، بل ترسم