المنجي بوسنينة
346
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
وجها آخر للشاعر يجعله أقرب إلى الإنسان العادي الذي يعرف الخوف والضعف ، بل إن بعض هذه الأشعار يصوّر لحظة من لحظات العجز الجنسي التي عاشها هذا الشاعر البطل الذي تمكّن من الغيلان [ الأغاني ، 18 / 211 ] . لم يطرق تأبّط شرّا غرض الغزل حتى أن موضوع المرأة لديه جاء عرضيا فعلا . وباستثناء القصيدة التي خاطب بها زوجته حين لامته على فراره من المعركة بعد أن قتل أعداؤه من قبيلة بجيبلة صاحبه ، والقصيدة التي عاتب فيها امرأة خطبها فنصحوها بأن لا تفعل خشية أن تترمّل حين يقتل ، لا نكاد نعثر على ذكر للمرأة أو تحرّق عليها . ولعلّ اللّافت أيضا في شعر تأبّط شرّا أنه كثير ما يجمع إلى سهولة اللفظ وقرب المعنى الميل إلى استخدام الغريب الذي يعسر على القارئ تبين معانيه دون التجاء إلى المعاجم . يقول في القصيدة التي عاتب فيها زوجته بعد أن عنّفته على تركه صاحبه ، من الطويل : [ ديوان ، ص . 212 - 213 ] . ألا تلكما عرسي منيعة ضمّنت * من الله إثما مستمرّا وعالنا تقول تركت صاحبا لك ضائعا * وجئت إلينا فارقا متباطنا لكنه يعمد بعد استخدامه لهذه الألفاظ السهلة والمعاني القريبة إلى رصف غريب اللفظ وحوشيّه . فيعمد في القصيدة نفسها إلى تصوير هروبه من قوم يطاردونه مشبّها نفسه بالظليم السريع الجري وبدل عبارات : أسرعت ، ومجنون ، والظليم المسنّ ، وسرعة الجري ، والظليم السريع ، والغبار ، والصحراء ، وباطن الأفخاذ ، والنعام المتباعد الخطو والسريع ، والنوق السريعة ، يستخدم عبارات : حثحثت ، ومشعوف ، والعفاء ، والفيفاء ، والمغابن ، والأزج ، والهزرفي ، وزفازف ، والناجيات الصوافن . نقرأ : [ ديوان ، ص . 216 - 217 ] . وحثحثت مشعوف النّجاء كأنّني * هجيف رأى قصرا سمالا وداجنا من الحصر هزروف يطير عفاءه * إذا استدرج الفيفاء ومدّ المغابنا أزجّ زلوج هرزفيّ زفازف * هزفّ يبذّ الناجيات الصّوافنا كان تأبّط شرّا شاعرا صعلوكا فذّا عنيت بشعره وبشخصيته كتب التراجم والأنساب وكتب الأدب والتاريخ ونسجت من حوله الأقاصيص . وهو واحد من أشهر صعاليك العرب الذين ضجروا من الفقر وأرغمتهم الفاقة على التطواف في البلاد طلبا للغنم والرزق والغارة . وهو واحد من الشعراء الذين آمنوا بأن الدنيا إنما تؤخذ غلابا وأن ليس للمرء من ذكر بعد موته غير أمجاده وأخلاقه . يقول من البسيط : [ ديوانه ، ص . 143 - 144 ] . سدّد خلالك من مال تجمّعه * حتّى تلاقي الّذي كلّ امرئ لاق لتقرعنّ عليّ السنّ من ندم * إذ تذكّرت يوما بعض أخلاقي آثاره ديوان تأبّط شرّا وأخباره ، جمع وتحقيق وشرح علي ذو الفقار شاكر ، بيروت : دار الغرب الإسلامي ، ط . 1 ، 1984 ، نشر ديوان