المنجي بوسنينة
277
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
وتحدث عن الجاذبيّة الأرضية والجاذبية العامة بين الكواكب ، وأشار إلى جملة من الأخبار ، تخصّ علم المساحة الأرضيّة والفضائيّة . في المحور الأوّل وصف البيروني النّظام الفلكي الذي وضعه أريستاخ اليوناني ، والنظام الفلكي الذي وضعه فيما بعد اليوناني إبراخس ، وبيّن أنّ أريستاخ كان يعتقد أنّ الشمس هي مركز الكواكب السيّارة ، دون أن يذكر إمكانيّة حومان الأرض حول الشمس ، الشيء الذي جعل إبراخس بعده يرفض نظريّته ليبدلها بأخرى تقوم على كون الأرض هي مركز العالم وجميع السيّارات تحوم حولها بما في ذلك كوكب الشمس وابراخس المعروف بمؤسس علم الفلك الموضوعي ، وضع الأرض بدلا من الشمس في مركز العالم ، بعدما اكتشف أهمّ قوانين التّثاقل العام ، ورغم أنّه يعلم بأنّ الشمس أكبر من الأرض بكثير فإنّه كان يعتقد بأنّ الأرض هي الجسم الموزون الوحيد في هذا العالم ، وحول هذه المسألة علّق البيروني : « وإذا تقرّر هذا من أمر الأثقال ، والأرض أعظمها ، علم أنّ وقوفها في الوسط ضروري » [ البيروني ، القانون ، ج / 47 م - و - ت ] . وللمزيد من التوضيح ، طالع البيروني نظريّة إبراخس عبر رسالة محمد بن زكريا الرّازي ( في سبب وقوف الأرض في مركز العالم ) . لكن مع هذا كلّه ، أظهر البيروني عدم اقتناعه بمذهب إبراخس الذي تبنّاه فيما بعد تلميذه بطليموس ، فلمّح إلى تفوّق نظام أريستاخ بقوله : « . . . ثمّ الذين أنعموا النظر منهم استجازوا من جهة الحركات الموجودة لها أن يكون وضع المتحيّرة كلّها فوق الشمس . . . ولم يقع فيه شيء مستحيل ممتنع من تداخل وتصادم وتمانع . . . » [ البيروني ، المستقرّ في تحديد معنى الممرّ ، 1 / 22 ( طبعة حيدرآباد الدكن ) م - و - ت ] . هذه الإشارة إلى رأي أريستاخ في هيئة العالم ، لها أهميّة كبرى في تاريخ العلوم ، وعلى عكس ما تروجه بعض المؤلّفات الغربيّة من أنّ أريستاخ قال بحركة الأرض حول الشمس وحول نفسها ، وأنّ كتابه المتضمّن لهذه النظريّة قد ضاع ، بينما نجد أنّ هذا الأخير كان قد ترجمه إلى العربيّة قسطا بن لوقا وعنه أخذ البيروني ، ونفس الكتاب قام بتحريره الطوسي نصير الدّين : ( كتاب تحرير أريستاخ في جرمي النيرين ) . أمّا نظريّة حومان الأرض حول الشمس فلم تكن معلومة البتّة ، ولم يذكرها أريستاخ كما يزعم المؤرّخون الغربيّون [ تاريخ علوم العرب ، 1 / 23 ( الطبعة الفرنسيّة 1997 ) ] . صحيح أنّ الفلاسفة العرب أمثال محمد بن زكريا الرّازي ، وأبو نصر الفارابي ثمّ ابن سينا والبيروني ، نقلوا عن اليونانيين دراسة حركتين للأرض ، ذكرهما الفارابي في رسالته : في أنّ الأرض لا تتحرّك في مكانها وعن مكانها ، ومعنى هذه الرّسالة يوضّحه البيروني بما فيه الكفاية ، ملاحظا أنّه وليد أفكار بطليموس ، وهذا الأخير ، يقصد بحركتي الأرض ، واحدة حول نفسها بدون الانتقال عن مركز العالم ، وأخرى التنحّي عن المركز والانتقال على استقامة في الفضاء . وبفضل مقارنته للنظامين الفلكيين : الشمس مركز العالم والأرض مركز العالم ، يكون البيروني قد سبق الإيطالي غالليلو إلى هذه النظريّة ، ولا يستبعد أنّ غالليلو تأثّر بدروس