المنجي بوسنينة

278

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

البيروني واقتبس منه عنوان رسالته المشهورة : محاورات حول النظّامين الفلكيين ( Dialogue des deux systemes ) والشيء الذي يبعث على الدهشة أنّ البيروني لم يكن راضيا عن نظريّة الأرض مركز العالم ، بل علّق بكونها أقرب إلى التصوّر العامي ، وبرهن على رأيه هذا ، بإثارة مفهوم النسبيّة في العالم وذلك لأوّل مرّة في التاريخ ، وتبين هذه النظريّة أنّ الإنسان أينما كان على سطح الأرض أو القمر ، يشعر بالحسّ أنّه في وسط العالم . وهذا قول البيروني في النّسبية : « . . . واستبان أنّ العلوّ هو التّباعد عن المركز وأنّ السفل هو الدنوّ منه وإليه أقدام من على وجه الأرض لكن ما حكيناه أوّلا هو أقرب إلى التصوّر العامي ، فلهذا يظنّ بما نذهب إليه في وسط العالم أنّه السفل بالحقيقة أنا نأخذه بالأماني والهوى أو نتّبعه اتّباع مذهب ورأي معتقد ، وإنّما يضطرنا إليه الوجود عند قياس موجب بعض البقاع إلى بعض » [ البيروني القانون ، 1 / 44 طبعة حيدرآباد الدكن 1947 م - و - ت ] . نظريّة النسبيّة في العالم وجدناها أيضا ، عند القزويني من علماء القرن الهجري السابع ، فليس من العدل أن ننسب هذه النظريّة إلى البولوني كوبرنيكس . وفي نفس الاتّجاه من بحوثه ، حول الشمس مركز العالم ، وضع البيروني القوانين الفلكيّة الثّلاثة ، المشهورة حاليا باسم قوانين كبلر الألماني ؛ فتحدّث عن المدار البيضاوي للكواكب معتمدا على أقوال جعفر الخازن [ البيروني ، القانون ، 2 / 631 ] . أمّا القانون الثاني فيبدو أنّه اقتبسه من بعض المراجع الهنديّة ، قال : « إنّ حركة جميع الكواكب واحدة بالمسافة وإنّها تتحرّك في الأزمان المتساوية مسافات مساوية بالمساحة . . . » [ البيروني ، نفس المرجع ، 3 / 1301 ] . أمّا القانون الثالث فذكر البيروني أمثلة لاستعماله ، فاتّضح لنا أنّه يستعمل لنفس الغرض الذي نجده عند الفلكيّين اليوم [ البيروني ، المرجع السابق ، 1301 - 1302 ] . ومع أنّ البيروني لم يتفطّن إلى نقص هذا القانون ، فقد أصاب لما أشار إلى أنّ تطبيق القانون الثالث يتطلّب ضرورة دوران مركزي لجميع السيارات حول الشمس . ومن هذه الضرورة نشأت لأوّل مرّة فرضيّة حومان الأرض حول الشمس ، فعلى هذا الأساس اعتمدت المستشرقة زيغريد ، وذكرت أنّ البيروني أوّل من قال بحركتي الأرض حول نفسها وحول الشمس [ زيغريد ، شمس العرب ، ط 1993 ، 153 ] . والواقع أنّ جملة الأفكار التي أثارها البيروني ، تناولها من بعده علماء كثيرون ، والحلّ الكامل لم يتحقّق إلّا في القرن الهجري الثّامن عن طريق ابن الشاطر الذي يعتبر من أهمّ من تتلمذ على دروس البيروني . أمّا فيما يتعلّق بحركة الأرض حول نفسها ، فيكفي أن نقول إنّه لولا البيروني ، لضاع عنّا برهان أحمد السجزي على دورانها ، ولضاع عنّا أوّل استعمال لقانون تحليل الحركة الذي ينسبه الغربيّون الآن إلى ديكارت الفرنسي [ البيروني ، المرجع السابق ، 1 / 50 ] . ومن تصريحات البيروني ، يتبيّن أنّ سبب عدم قبول القدامى أي حركة للأرض يرجع بالدرجة الأولى إلى قلّة إحكامهم لمبادئ علم الجاذبيّة ، لهذا استنجد البيروني بمعارف الفيلسوف الهندي أرجيهد ، فوجد ما يقنعه