المنجي بوسنينة
100
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الطراز الأوّل ، ولولا ظهور كتابه هذا لنسي التاريخ اسمه ونسيت تآليفه . وقد نقل البلوي بعض الحكايات ، وقدرها تسعون قصة ، منها خمسين قصّة عن ابن الداية في سيرة ابن طولون ، وردت في كتابه « المكافأة » ومنها أربعون قصة جاء بها من عنده على ما يظهر ، وعبارة البلوي إذا وضعت إلى جانب كتابة ابن الداية لا تقل عنها فصاحة وجزالة . وإذا اعتاد البلوي عدم العزوّ إلى ابن الداية وإلى غيره ، اختلط الكلامان على ما يخالف عرف المؤرّخين المحدثين . وضم البلوي إلى كتابه رسائل ووثائق عديدة لا أثر لها عند ابن الداية ، ووردت في كتابه تفاصيل نشأة ابن طولون ، وأخبار حروبه في الثغور ، وأخبار ابنه العباس وغلامه لؤلؤ ، وأخبار مرضه وخلعه الموفّق ، على صورة أجمع وأبرع ، ومنها ما خلا منه كتاب ابن الداية كأخبار مرضه ، ووفاته ، وجنازته ، ووصيته ، وثروته وغير ذلك . وصدق البلوي فيما ادعاه من محاولته وضع تأليف مطوّل ، وأوسع من كتاب ابن الداية ، وساعده على الذهاب بهذا تأخّره في العصر ، وانتفاعه بكتب من تقدّمه ، وزاد أنه تفوّق بتنسيقه وترتيبه ، وامتاز ببسطه وشرحه . وما كتبه أبو محمد البلوي في كتابه هذا من الفصول ظاهر لمن ينعم النظر ، والقول بأنّهما - ابن الداية والبلوي - أخذا من مصدر واحد ، وهو أضابير أحمد بن طولون وجذاذاته ، لا يصحّ على الإطلاق ، لأنّ الموضوعات التي كان يدوّنها أمين سرّ ابن طولون بأمر سيده ليست كلّها في موضع كتاب المكافأة ، بل هي عبارة عن أوامر وأحاديث صدرت من لسانه أمام جلاسه ورعيته وقصاده وعماله ، وأكثرها مما يدخل في موضوع الإدارة والحكم . أما من حيث التأليف فإنه لولا تقدّم ابن الداية أبا محمد البلوي بتأليفه لما أتى كتابه آخذا بحظ جزيل من الإقناع وسعة المادة ، ولولا أنّ تاريخ البلوي كتب في عصر نجا المؤلّف فيه من ضرورة المصانعة ، لما جاء أقرب إلى الثقة من كتاب ابن الداية . وتاريخ البلوي بما تعرّض له من الحوادث سد ثلمة في تاريخنا كانت عظيمة في التواريخ التي وصلت إلينا ممّا كتبه مؤرّخو العرب . ويعد في حسنات هذا التاريخ أن البلوي يعرض في كتابه لتفاصيل كثيرة قد يتخطّاها معظم مؤرّخينا ، ولا يأبهون لها والدارسون يغتبطون بالوقوف على أشباهها ، لأنها تجلي أمامهم أشياء يعنى أهل العصر بمثلها . وبذلك نحكم بأننا لم نعهد رجلا من رجال السياسة الإسلامية كصاحب الدولة الطولونية أن تجلّت سيرته للأعين تجلّيا لم يكتب لغيره ، وما ذاك إلا أنّ أحمد بن طولون عظيم ، كيفما دار المؤرّخ يجد ما يسجّله له وهو يكتب حياته ، ولأنّ ابن الداية عظيم في المؤرّخين والكتّاب ، كما أن أبا محمد البلوي عظيم في المؤرّخين والمؤلّفين . يورد أبو محمد البلوي في تاريخه الحوادث المفصّلة ، وقد يحلّلها أحيانا ، ويبدي رأيه ويظهر شعوره أحيانا ، يروي الأخبار بأسانيدها على النحو الذي كان يعمد إليه الروّاة وأرباب السير في القرون الأولى وعادة مؤرّخي عصره . والبلوي بليغ يحسن الوصف ، ويؤثّر السلاسة ويكتب بلا تعمّل ، وإذا اقتبس من عبارة مسجوعة في كتاب مطوّل لغيره طرح الأسجاع أوّلا ، ثم أتى على المكرّرات حتّى يأتي تأليفه