المنجي بوسنينة
57
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
شعر ابن باديس بخطورة ذلك حين بدأت أصوات تدعو إلى التفريق ، وهذا بالطبع ما كانت تريده فرنسا ، ضاعف من حملته في خطبه وفي كتاباته ، من ذلك ما ذكره في مقال آخر عنوانه : « كيف أصبحت الجزائر عربيّة ؟ » ، وهي دعوة صريحة إلى الوحدة العربية للشعب الجزائري التي تكوّنت عبر العصور ، ولا يستطيع الاحتلال الفرنسي النيل منها ، وأضحت الجزائر موحّدة جمعتها العقيدة بصرف النظر عن المفهوم الضيّق للأنساب [ محمّد الميلي ، م . س ، 50 - 51 ] . ه - القضيّة الخامسة : موقفه من الطرقيّة : وكانت مواجهة الطّرقيّة عند ابن باديس أمرا لا يمكن تجنّبه عندما تصدّى للإصلاح ومحاربة البدع ، يقول : « حاربنا الطرقيّة لما عرفنا فيها . علم اللّه . من بلاء على الأمّة من الداخل ومن الخارج . فعملنا على كشفها وهدمها مهما تحمّلنا في ذلك من صعاب » [ مقدّمة الشهاب ، مج . 16 ، ص 78 ] . وقد اعتمد الشيخ ابن باديس في موقفه من الطرقيّة على مساندتها للاحتلال الفرنسي حين سمحت لنفسها أن تكون أداة طيعة تساعد المحتلّ على تنفيذ خططه في محاربة المساجد والتعليم العربي ، ومضايقة الصحافة العربيّة في الجزائر . وكان على الشيخ عبد الحميد بن باديس أن ينكر عليهم ذلك ويقاومهم بشدّة ؛ ودخل معهم في معارك طويلة انتصر عليهم بعد جهد ، لأنّها اكتسبت قوتها من مساندة الاحتلال الفرنسي لها ، ويذكرنا موقف ابن باديس بموقف شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون الحفيد في القرن الحادي عشر الهجري الذي حارب بدوره الطرق الصوفيّة المتطرّفة في عهده في قسنطينة مع أنّه كان صوفيّا . آثاره لم يكن ابن باديس متفرّغا لتأليف الكتب ، ولو فعل ذلك لما استطاع أن يحقّق مشاريعه التي أخذت منه كلّ وقته . من ذلك تأسيس المدارس عبر الوطن والانشغال بالصحافة والتفرّغ بالتدريس والتوجيه ، والوعظ والتفسير . ومع ذلك فقد ترك آثارا اشتغل طلّابه بدراستها من بعده ، وما يزال تراثه في حاجة إلى تكفّل ورعاية ودراسة وبحث وتنقيب . 1 - ولقد اهتمّ عمّار الطّالبي بجمع آثار الشيخ ابن باديس ووزّعها على مجلّدين في أربعة أجزاء ، صدرت الطبعة الأولى سنة 1968 ، والثانية في بيروت سنة . 1983 عرض في المجلّد الأوّل بجزئيه تفسير الشيخ وشرح الحديث ؛ وخصّص الجزء الأوّل من المجلّد الثاني لمجموعة من المقالات الاجتماعية والتربوية والأخلاقية والدينية والسياسية ، وفي الجزء الثاني مجموعة أخرى من المقالات في موضوعات كثيرة هي : التاريخ ، العرب في القرآن ، التراجم ، القصص الديني والتاريخ ، الرحلات ، تطوّر الشباب ، الصلاة على النبيّ ، الفقه والفتاوي . ويضمّ هذا الجزء الفهارس العامة وكشافات الأجزاء الأربعة من الصفحة 425 إلى 620 . وقد حظي تفسيره باهتمام كبير ، من ذلك الحفل الذي أقيم بمناسبة الانتهاء من تفسيره والاحتفال بختمه بعد خمسة وعشرين سنة متتالية ، في الثالث عشر من ربيع الثاني عام