المنجي بوسنينة

55

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

ثلاثة أشهر ، قدّم خلالها عدّة دروس في المسجد النبوي أعلن فيها فكرته الإصلاحيّة ، والتقى خلالها شيخه حمدان لونيسي والشيخ أحمد الهندي وكان عالما حكيما يدرّس في المسجد النّبوي ، والشيخ البشير الإبراهيمي ، والشيخ الطّيّب العقبي . ويعود ابن باديس إلى الجزائر عملا بنصيحة الشيخ أحمد الهندي الذّي أشار عليه بالعودة إلى الوطن وخدمة الإسلام والعربية بقدر الجهد . وزار في طريق العودة سوريا ولبنان وفلسطين ومصر واجتمع برجال العلم والفكر في هذه الأقطار . وصل ابن باديس قسنطينة سنة 1913 م وبدأ يلقي في الجامع الأخضر ، الذي أصبح مركزا ثقافيّا للإصلاح الإسلامي ، دروسا في تفسير القرآن ، وشرح الحديث والفقه والتاريخ والعلوم العربية . وامتدّ نشاطه العلمي حوالي ثلاثين سنة انصرف فيها إلى التربية والدعوة والصحافة والنشاط الجمعيّاتي . وكان الشيخ عبد الحميد بن باديس يهدف إلى إصلاح المجتمع ومحاربة الجهل وما نتج عنه من انتشار البدع والخرافات ، فاختار المسجد مكانا ينطلق منه صوته وينشر أفكاره ، واشتهر الجامع الأخضر بدروس الشيخ حتى ارتبط اسمه بهذا المسجد الذي شهد مجالس التفسير بأسلوب جديد لم يألفه مجتمع قسنطينة ، ولذلك أقبل الناس على دروسه التي كانت تتلاءم مع منطق العصر ، وتوظّف المعارف الجديدة لفهم القرآن الكريم فهما آخر لم يكن مألوفا في الجزائر من قبل . وقد ربط الجانب الروحي بالجوانب الاجتماعيّة في حياة الناس اليوميّة فاكتشف الناس في القرآن ما ينير طريقهم ويدخل الطمأنينة في نفوسهم بفضل ما أوتي الشيخ من قوّة في الإقناع بلغت به درجة الاجتهاد ، فاستطاع بفضلها إقامة الحجّة على الناس باستعمال العقل عند تعامله مع النصوص التي تدعو إلى التدبّر والتفكير من أجل الوصول إلى الحقيقة التي استقرّت في قلوب الناس طوعا . إن الذي يمعن النظر في مواقف عبد الحميد ابن باديس بين الحربين العالميتين يجدها متعدّدة ومتباينة وثريّة . على أن الشيخ اشتهر في مسيرته الإصلاحيّة بمواقف تشهد بعظمة الرجل وقوّته ، وصلابة إيمانه بعدالة قضيّته ، ولم تنل من عزيمته شراسة المحتلّ الذّي كان وراء المكائد التي تحاك ضدّه بليل . من تلك المواقف البارزة نذكر ما يلي : [ مواقفه ] أ - القضيّة الأولى : العقيدة : عمل المحتل على طمس الحضارة الإسلاميّة بعزل الجزائر عن غيرها من البلدان الإسلاميّة . ونتيجة لهذه العزلة انتشرت البدع ، وعمّ الجهل الذي ساعد المستعمر على إحكام السيطرة على البلاد حين تدخّل في حياة الناس اليوميّة ، وأفسد عليهم عقيدتهم التي كانت سبب قوّتهم في الماضي . وكان على الشيخ عبد الحميد بن باديس إرجاع المياه إلى مجاريها ، فانصبّ اهتمامه طول حياته على إرجاع العقيدة إلى سابق عهدها في قلوب الناس ولم يكن ذلك ميسورا . فقد عانى الأمرّين ، ولكنه استعان بمجموعة من أصحابه الذين آمنوا برسالته فتسلّحوا بسلاح العلم ونشروه من جديد عبر المساجد والمدارس والنوادي والجرائد ، ونجد في حياة الشيخ كلّها دلائل قويّة على ثباته وجهاده بالكلمة . ورغم أنّ المعركة بينه وبين المحتلّ لم تكن متكافئة إلّا أنّ قوّة