المنجي بوسنينة
54
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
باديس الصنهاجي ، وجدّه مكّي بن باديس الذّي كان قاضيا وعضوا في المجلس العام في اللّجنة البلديّة لقسنطينة . أمّا أبوه فكان عضوا في المجلس الجزائري الأعلى والمجلس العام ، وكان من ذوي الفضل ومن حفظة القرآن الكريم . وأمّه زهيرة بنت علي بن جلّول من أسرة مشهورة بالعلم والثراء في قسنطينة [ عمّار الطّالبي ، ج 1 ، ص 72 - 74 ] . تلقّى ابن باديس العلم على الطّريقة التقليديّة ، فأدخله والده عام 1894 م أحد الكتاتيب القرآنيّة بإحدى زوايا القادريّة بقسنطينة حيث حفظ القرآن على الشّيخ محمّد المداسي ، وأتمّ حفظه في السّنة الثّالثة عشرة من عمره [ مفدي زكريّا ، الذّكرى العشرون لوفاة الشّيخ ابن باديس ، ص 77 ] . وفي عام 1903 م اختار له والده الشّيخ حمدان لونيسي أحد علماء مدينة قسنطينة المشهور بالعلم والتّقوى ، ليعلّمه بجامع سيّدي محمّد النّجار مبادئ العربيّة والمعارف الإسلاميّة ، ويوجّهه وجهة علميّة أخلاقيّة . وهذا الشيخ هو أيضا أستاذ الشّيخين العقبي والإبراهيمي . وفي عام 1908 م سافر ابن باديس إلى تونس ليكمل تعلمه ، فالتحق ، بعد أن أهّلته الدروس التي تلقّاها عن أستاذه حمدان لونيسي بقسنطينة بالسّنة الخامسة من التعليم الزّيتوني [ محمّد الصالح الجابري ، النّشاط العلمي للطّلبة الجزائريين ، بتونس ، ص 62 ] . وفي جامع الزّيتونة تتلمذ على أعلام عرفوا بسعيهم إلى تعصير التعليم الزيتوني ، وخاصّة الشّيخ محمد الطّاهر بن عاشور ، والشيخ محمّد النخلي ، والشّيخ الخضر حسين ، كما تتلمذ في الخلدونيّة على الأستاذ البشير صفر . وقد نوّه بما زرعته دروس التاريخ لهذا الأستاذ من روح وطنيّة [ عمّار الطالبي ، ج 4 ، ص 327 ] . وفي رحاب جامع الزّيتونة تفتّح عقله وذهنه على آفاق واسعة من الثقافة الإسلاميّة والأدبيّة ، وأقبل على العلم بشغف كبير ، وعلى مطالعة الكتب خارج أوقات الدراسة حتى حصل خلال سنوات قلائل على زاد من الثقافة الإسلامية في شتى فروعها ، والأدب العربي بمختلف فنونه . ولما نال شهادة التطويع عام 1911 م ، انتصب بجامع الزيتونة مدرّسا لمدّة سنة ، وهي سنة يقوم بها كلّ من تخرّج بشهادة التّطويع [ تركي رابح ، الشّيخ عبد الحميد بن باديس . . . ، ص 163 ] . ويعدّ ابن باديس من أوائل المهاجرين إلى تونس طلبا للعلم ، فيكون بذلك قد فتح بابا جديدا للأجيال ، فتوالت من بعده البعثات وأصبحت بفضله تونس قبلة لطلّاب العلم بعد ذلك . وكان هذا من أكبر عوامل تطوير حركة العلم في الجزائر عندما بدأ هؤلاء يرجعون وقد تزوّدوا بسلاح العلم في شتّى المجالات ، فشاركوا في تربية الأجيال بأسلوب عصري متنوّر يختلف عن المناهج المتّبعة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين . وكان عبد الحميد بن باديس في طليعة هؤلاء ؛ وعاد سنة 1912 إلى قسنطينة ، فشرع في إلقاء الدّروس من كتاب الشّفاء للقاضي عياض في الجامع الكبير ؛ ولكن السلطات الاستعمارية بادرت فمنعته ، مما جعله يغادر الجزائر متوجّها إلى البقاع المقدّسة سنة 1913 م لأداء فريضة الحج وزيارة بعض العلماء هناك ؛ وبعد موسم الحج توجّه إلى المدينة المنورة وحيث بقي بها