المنجي بوسنينة

120

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

وقد بدأ أبو الفرج كتابه بذكر الأصوات المئة التي اختارها المغنون لهارون الرشيد ، وما أدخله الخليفة الواثق من تغيير في هذه الأصوات . ثم ذكر بعد ذلك ما اختاره من الأصوات الأخرى . وقد وضح أبو الفرج في مقدمة الكتاب طريقته في إيراد الأصوات المئة والأصوات المختارة . وقد استخدم أبو الفرج في بيان الألحان مصطلحات كانت معروفة لعهده . وهي تتمايز في إيقاعاتها وطريقة الضرب على العود فيها ، وهي : الثقيل الأول ، وخفيف الثقيل الأول ، والثقيل الثاني ، وخفيف الثقيل الثاني ، والرمل ، وخفيف الرمل ، وخفيف الخفيف ، والهزج . وهذه المصطلحات مستمدّة - فيما يبدو - من كتاب إسحاق الموصلي الذي وضعه في أصول الغناء . وقد جهد الموسيقيون والمغنون فيما بعد في التعرّف على دلالة هذه المصطلحات على وجه الدقة في صحّة رواية أبي الفرج ، فلم يهتدوا إلى ذلك حتّى يوم الناس هذا . والنهج الذي اتبعه أبو الفرج في ترتيب تراجم الشعراء يقوم على ذكر الصوت أولا ، ثم إيراد أخبار الشاعر الذي ينسب إليه الشعر . وقد بدأ بالأصوات المئة المختارة فكانت أول ترجمة في الكتاب هي للشاعر أبي قطيفة ، عمرو بن الوليد بن عقبة . وتلتها ترجمة معبد بن وهب المغني المشهور ، صاحب اللحن والغناء في أبيات أبي قطيفة . ثم تلت ترجمة معبد أبيات لعمر بن أبي ربيعة ، لحنها وغناها ابن سريج ، فأورد أبو الفرج أخبار عمر بن أبي ربيعة ، وقد استغرقت زهاء مئة وثمانين صفحة ونيف من الكتاب [ طبعة دار الكتب ] ، ثم تلتها أخبار ابن سريج . وعلى هذا النحو كانت تتمة الكتاب . وقد اشتمل الكتاب على تراجم لزهاء ثلاثمئة شاعر وزهاء ستين من المغنين والمغنيات . وكتاب الأغاني يعدّ اليوم أوفى مرجع لتراجم الشعراء والمغنين القدامى ، وقد اتبع أبو الفرج طريقة الإسناد المتبعة في رواية الحديث النبوي . ولو فقد هذا الكتاب لجهلنا تراجم كثير من شعرائنا القدامى . حظي كتاب الأغاني ، في زمنه وفي العصور التالية ، بمنزلة رفيعة لدى الأدباء والعلماء ، وأثنوا عليه ثناء عظيما . ومن هؤلاء الصاحب ابن عباد ، فقد نقل عنه قوله حين بلغه خبر إجازة سيف الدولة أبا الفرج بألف دينار : « لقد قصّر سيف الدولة ، وإنه يستأهل أضعافها ، وقد اشتملت خزانتي على مئتين وستة آلاف مجلد ، ما منها ما هو سميري غيره ، ولا راقني منها سواه » [ معجم البلدان في ترجمة أبي الفرج ] . وذكر ابن خلّكان أن الصاحب كان يستصحب في أسفاره حمل ثلاثين جملا من كتب الأدب ليطالعها . فلما وصل إليه كتاب الأغاني لم يكن بعد ذلك يستصحب سواه ، استغناء به عنها . وروى ياقوت الحموي عن كاتب عضد الدولة قوله : « لم يكن كتاب الأغاني يفارق عضد الدولة في سفره ولا حضره ، وإنه كان جليسه الذي يأنس به ، وخدينه الذي يرتاح نحوه » . وقال فيه ياقوت : « لعمري إن الكتاب جليل القدر ، شائع الذكر ، جم الفوائد ، عظيم العلم ، جامع بين الجدّ البحت ، والهزل النحت » .