المنجي بوسنينة

411

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

المشتاق » ، وكذلك بما وضعه من خرائط جغرافية . فقد صنع - مع مساعديه - لوليّ نعمته روجار الثاني سبعين خريطة على عدد أجواء الأقاليم السبعة . وهذه الخرائط محفوظة في مختلف النّسخ الموجودة من كتاب « نزهة المشتاق » . وبهذا العمل أوصل الإدريسي علم الخرائط وضعا علميّا مبنيّا على خطوط الطّول والعرض ، ويعتبر عمله تتويجا لعلم الخرائط في القرون الوسطى بما فيه من دقة وضبط وتنوّع وتفصيل . جاء في ترجمة الإدريسي أنّه وضع لروجار الثاني خريطة على أسطوانة من فضّة . فهل هذه الخريطة العامّة هي التي نقش عليها الإدريسي مجموع خرائطه السّبعين السّابقة ؟ هل هي نفسها الكرة السماويّة وخريطة العالم في شكل قرص وكلاهما من الفضّة ؟ لئن يصعب علينا الإجابة عن هذين السؤالين لقلّة المعلومات فمن المتأكّد أنّ هذه الأسطوانة أو القرص هما غير الكرة الأرضيّة من الفضّة التي صنعها لروجار الثاني . وتاريخيّا هذه الكرة - التي رسم عليها الإدريسي صورة الأقاليم بمدنها وأنهارها وبحارها والمسافات التي بينها والمرافئ المعروفة فيها - حطّمها الثوّار في عهد غيوم الأول ونهبوا أجزاءها عند اقتحامهم قصر روجار الثاني سنة 555 ه / 1160 م . لقد بقيت خرائط الإدريسي مرجعا لأوروبا في علم الجغرافيا لعدّة قرون ، وانتقلت طريقته في صنعها إلى مدينة صفاقس بإفريقيّة / تونس في القرون الوسطى ، ثمّ إلى المغرب الأقصى في القرن 19 . ويفترض أن هذه الخرائط وصلت إلى كريستوف كولمب فساعدته بطريقة غير مباشرة على اكتشاف العالم الجديد . والسؤال يبقى : هل أنّ هذه الخرائط - بما في ذلك الأسطوانة والكرة الأرضية - هي تجسيم واختصار لما جاء في نزهة المشتاق من معلومات ؟ وهذا يفترض أنّ الكتاب وضع أوّلا ثمّ صنعت الخرائط ، أو أنّ هذا الكتاب هو وصف وتفسير لهذه الصّور والخرائط ؟ وهذا يفترض أنّ الخرائط صنعت قبل تأليف الكتاب . وخريطة الإدريسي المتداولة بيننا هي الخريطة التي استخرجها كونراد ميلر من الخرائط السبعين وطبعها كاملة في اشتوتغارت ( 1331 ه - 1926 م ) بالحروف اللّاتينيّة . وأعاد طبعها المجمع العلمي العراقي سنة 1951 م . ولذلك يعتبر الإدريسي القطب الثاني من قطبي علم الجغرافيا بعد بطليموس . ولئن كان اعتناء هذا الأخير بالجغرافيا عن طريق تطبيق ما درسه من فلك ورياضيّات ، فإنّ الإدريسي محّض نشاطه لهذا الفنّ . وكان له بعض الاهتمام بالصيدلة والنبات زيادة على شغف بالأدوية وميل إلى قرض الشعر . إنّ الإدريسي بما ألّف وما رسم وما صنع أكّد على كرويّة الأرض وقسّمها إلى سبعة أقاليم في اتجاه خطوط العرض ، وقسّم كلّ إقليم إلى عشرة أجزاء في اتّجاه خطوط الطّول . وضبط خطّ الاستواء وكيفيّة تدرّج الأقاليم انطلاقا منه إلى القطب . وبيّن أثر البحار والجبال في المناخ وتوجيه الرّياح ونزول الأمطار . وهذه معلومات قد نراها اليوم بسيطة ولكنها خطيرة جدا في عهد الإدريسي . ومع ذلك يبقى صاحب كتاب « نزهة المشتاق »