المنجي بوسنينة
410
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
روجار الثاني الإدريسي ليضع له كتابا يتمّ الاعتماد فيه بالدّرجة الأولى على المصادر المرئية لا المصادر المكتوبة ، أي على المشاهدة لا على النّقل ، فقام الإدريسي بانتقاء بعض أعوانه ومساعديه وأرسلهم إلى نواح عديدة من الكرة الأرضية ، ومعهم رسّامون لوضع الخرائط للأماكن التي يزورونها . وبعد رجوعهم إلى صقليّة كانوا يقدّمون للإدريسي ما جمعوه من معلومات وخرائط فيسجّلها بعد فحص وتدقيق ومقارنة وتنخيل . ولئن انتهى من وضع كتابه سنة 548 ه / 1154 م ، فأكيد أنّه بقي طيلة حياته يتعهّده بالتّنقيح والإصلاح من حين إلى آخر . وضع الإدريسي لكتابه مقدّمة عامّة ذكر فيها معلومات عن الأرض وهيئتها ، ومقدار المعمور منها ، وأقاليمها السبعة ، وبحارها . ثمّ قام في مرحلة أولى بضبط أقاليم الأرض السبعة لإثبات درجات العرض وتحديدها . وفي مرحلة ثانية تحدّث عن كلّ إقليم في باب . ثمّ قسّم كلّ باب إلى عشرة فصول تناول في كلّ فصل جزءا من الإقليم فوصف مدنه وقراه ومداشره مبتدئا من الغرب في اتجاه الشرق ، فضبط مواقعها ، وحدّد المسافات بينها ، وذكر عمارتها وخاصة المساجد والكنائس والقصور والحمامات والقناطر والأسوار ، وعدّد محصولها الفلاحي وإنتاجها الصّناعي ونشاطها التجاري ، وأشار إلى عادات سكّانها وأخلاقهم ، ووصف الأنهار : منابعها ومجاريها ، والجبال وتأثيرها ، والبحيرات ومنافعها ، وبيّن خصائص المناخ في كلّ جهة من الجهات . اعتمد الإدريسي في وضعه لكتابه بالدّرجة الأولى على ما جمعه بنفسه خلال رحلته وتجواله وخاصّة في المغرب الأقصى والأندلس وصقليّة ومصر وآسيا الصغرى . كما اعتمد بدرجة ثانية على المعلومات التي كان يقدّمها له من أرسلهم لهذا الغرض وخاصّة إلى البلدان الأوروبية المحيطة بصقليّة . واعتمد بدرجة ثالثة على مصادر جغرافية مكتوبة ، يونانية وعربيّة بالنسبة إلى الأماكن التي لم يتمكّن من جمع معلومات عنها بالطّريقة الأولى أو الثّانية كالهند وأطراف آسيا وإفريقيا . وهو لئن ذكر مجموعة من هذه المصادر في مقدّمته - وأغلبها يرجع إلى القرن 4 ه / 10 م - فأكيد انّه اعتمد على مجموعة أخرى لم يذكرها ، فقد استفاد من علم اليونان وخاصّة من المدرسة الجغرافية الفلكية ، ومن علم العرب وخاصّة من كتب المسالك والممالك . وهكذا بدا لنا الإدريسي بكتابه موسوعيّ المعرفة بالجغرافيا والفلك والحساب والتاريخ . وليس من باب المبالغة إذا أكّدنا أنّ هذا الكتاب ما زال إلى اليوم مصدرا جغرافيّا وتاريخيا فيما يتعلّق ببعض أجزاء من المعمورة ، فوصف الإدريسي لألمانيا وفرنسا وسكوتلندا وإيرلندا وسواحل بحر الشمال وصف ينمّ على مقدرة ومهارة ، ومعلوماته عن إفريقيا وخاصّة المناطق التي ازدهرت فيها الحضارة العربيّة والإسلاميّة معلومات جيّدة . وظفرت رومانيا وشبه جزيرة البلقان بتفاصيل دقيقة في ضبط الطرق التجاريّة . وما ذكره من وصف لألمانيا وبولندة وروسيا وآسيا الصغرى يعتبر مصدرا أساسيا لدراسة هذه البلدان في القرون الوسطى . والإدريسي هو عالم في الجغرافيا بكتابه « نزهة