المنجي بوسنينة

374

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

نطمئن إلى ما يرويه أصحاب كتب الطبقات ( بالتفصيل ) عمّا جرى بين الأخفش والكسائي ، من جهة أخرى ، من المناظرة ، ثم ما أظهره له الكسائي من التحبّب والاعتراف له بالغلبة عليه . فإنّ صحّ شيء من ذلك فهو وجود اتّصال بينهما أو بالأحرى وجود تأثير أحدهما في الآخر ، وذلك ما يؤكّده كلام ابن السرّاج بما يحكيه من أقوالهما . فمن ذلك قوله : « وحكى الأخفش أنّ الكوفيّين يجيزون » ( نحو : كم غلمانا لك ؟ ) [ الأصول ج . 1 ، ص 317 ] . وأجاز الأخفش ما أجازه الكوفيّون من أعمال « إنّ » في اسم الفاعل الذي له فاعل وذلك مثل : « إنّ في الدار جالسا أخواك » [ الأصول ، ج . 1 ، ص 255 ، وانظر قول الكوفيين ، ج . 1 ، ص 232 ] . فبذلك كان الأخفش رائدا لما سيحصل في القرن الثالث من « الخلط بين المذهبين » ، وسيتم ذلك على الرغم من الامتناع الشديد الذي أبداه أصحاب الأخفش أنفسهم كالجرمي والمازني ثم المبرّد من النظر في « علم الكوفيّين » . كما كان الأخفش رائدا في « فلسفة اللّغة » ، والنظر في الظواهر اللّغوية بطريقة التأمل الخاصة بالحكماء . والذي حمله على ذلك هو اشتغاله بعلم الكلام ، وكان قد ازدهر في نهاية القرن الثاني ، وقال تلميذه المازني : « كان الأخفش أعلم الناس بالكلام ، وكان قد ازدهر في نهاية القرن الثاني » ، وقال تلميذه المازني : « كان الأخفش أعلم الناس بالكلام وأحذقهم بالجدل ، وكان غلام أبي شمّر ، وكان على مذهبه » [ إنباه الرواة للقفطي ، ج 2 ، ص 157 ] . وأهمّ ما تركه من الآراء تخصّ اللغة . فلربّما يكون هو أوّل من أثار مسألة « منشأ » اللّغة الإنسانية ، فقد ذكر أبو علي الفارسي موقفه من مسألة أصل اللّغة « أإلهام أم مصطلح » ، أي هل هي توقيف ووحي ، أم هي مجرّد مواضعه بين البشر ؟ . وأورد ذلك ابن جني في خصائصه . وقال : قد يجوز أن يكون تأويله في بعض كلامه وهذا أيضا رأي أبي الحسن ، على أنّه لم يمنع قول من قال إنّها تواضع منه [ 1 / 41 ] . وهو أيضا أوّل من تكلّم في أصول النحو ، وإن كان ابن جنّي قد استصغر هذا العمل وذلك لأنه قارنه بما ضمّنه هو في كتابه « الخصائص » . وهذا لا ينفي ابتكار الأخفش لهذا الفنّ ، وإن كان قد سبقه إلى بعض ما قاله الخليل وسيبويه . ثم إنه كثيرا ما يصدر منه أقوال عميقة جدا في هذه الأصول في كتبه النحويّة ، وأكثرها هو توضيح العالم الذي أدرك جيّدا ما كان يريده الخليل وسيبويه ، وذلك مثل هذه الملاحظات : « لا يدخل الأفعال الجرّ لأنه لا يضاف إلى الفعل ، والمضاف إليه يقوم مقام التنوين ، وهو زيادة في المضاف ، كما أنّ التنوين زيادة ، فلم يجز أن تقيم الفعل مقام التنوين ، لأنه لا يكون إلا فعل فاعل ، فلم يحتمل الفعل زيادتين ، ولم يبلغ من قوّة التنوين ، وهو واحد أن يقوم مقامه اثنان ، كما لم يحمل الاسم الألف واللام مع التنوين » [ كتاب سيبويه ، ط ، هارون ( الهامش ) ] . فعلى هذا التعليق الشديد الإيجاز ترتكز ضوابط التفريغ بالزيادة في الاسم في مقابل الفعل ، ويحدّد فيه مفهوم دور استبدال الشيء بالشيء ليظهر تكافؤهما ، وهو مهمّ جدا في النحو العربي . وهو أوّل من أدخل مفهومي الصدق