المنجي بوسنينة

375

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

والكذب كمقياس للجملة الخبرية [ الكتاب ، الهامش 1 ، ص 26 ] ، وأوّل من أدخل في النحو مفهوم الفائدة [ القوافي ، 66 ] ، فقالوا بعده : « الجملة المفيدة » ( أي التي تأتي للمخاطب بعلم لم يكن عنده قبل ) . فلولا هذه التوضيحات العميقة ، وأكثرها لم يصل إلينا مباشرة ، لبقي كتاب سيبويه مستغلقا على الناس ، وقد استغلق بالفعل على أكثر النحاة المتأخرين . أمّا تصوّراته الكلامية فلم يبد ، فيما وصل إلينا من ذلك ، أي تأثير للمنطق اليوناني فيها إلّا ما قال عن مقياس الصدق والكذب . وقد كان للأخفش مذاهب متناقضة أحيانا ، وربما يكون السبب في ذلك ، زيادة على شخصيّته القويّة المتحرّرة ، ميله إلى الجدل والتأمّل الفلسفي . قال عنه ابن جني : « وكان أبو الحسن ركابا لهذا الثبج ( القولين المتناقضين ) ، آخذا به ، غير محتشم منه ، وأكثر كلامه في عامة كتبه عليه . وكنت إذا ألزمت عند أبي علي رحمه الله قولا لأبي الحسن شيئا لا بدّ للنظر من إلزامه إيّاه ، يقول لي : مذاهب أبي كثيرة » [ الخصائص 1 / 205 - 206 ] . وقد يخالف كلّ النحاة كما يبيّن ذلك المبرّد [ المقتضب ، ج 1 ، ص 157 ] . ويمكن أن تنتمي إلى هذا الجانب بعض الأقوال السلبيّة أخطأ فيها الغرض في فهم المفاهيم العويصة التي جاءت عن الخليل وسيبويه . من ذلك عدم فهمه أنّ لفظة قائم في « أقائم الزيدان » ليست مبتدأ مثل « زيد » في « زيد قائم » بل هي ، كما قال سيبويه في موضع الابتداء ( وقوله في موضع اسم مبتدأ هو في هذا المعنى . فإذن هي في موضع الفعل وإنّ وأخواتها لا تحتاج إلى الخبر ) . وأجاز على هذا : « إنّ قائما الزيدان » ، وقد تفطّن إلى ذلك الرضى [ الكافية ، ج . 1 ، ص 86 - 87 ] . ويتفّق الأخفش في ذلك مع الكوفيّين وتابعه كلّ النحاة الذين جاؤوا بعده [ الأصول ، ج 1 ، ص 232 و 255 ] . وإذن فإن لهذه الشخصية المعقدة جوانب إيجابية جدّا ، وتكمن فضائل هذا العالم الفذّ فيما أبداه من فهم عميق لأكثر ما جاء في كتاب سيبويه ، وكذلك مهارته في توضيح الغامض منه . ويتراءى ذلك فيما أخذه منه أصحابه ومن جاء بعده ، فلولاه ولولا ابن السرّاج لما كانت تكوّنت تلك المدرسة النحوية العجيبة التي أكبّت على شرح الكتاب ( أبو علي الفارسي والسيرافي والرماني والزجاجي ، وبعدهم ابن جني وعبد القاهر الجرجاني ) . وقد مهّد الطريق لازدهار النحو الخليلي إلى غاية القرنين الرابع والخامس ، وفي الوقت نفسه مهّد الطريق لتأثّر النحو بعلم الكلام أوّلا وبمنطق أرسطو بعد ذلك . آثاره له مصنّفات كثيرة لم يصل إلينا منها إلا القليل ، وممّا وصلنا : 1 - كتاب القوافي ، تح . أحمد راتب النفاخ ، بيروت 1974 م 2 - كتاب معاني القرآن ، تح . فائز فارس ، الكويت 3 - كتاب النحو الأوسط ( ذكر ابن السرّاج كلاما منه في أصوله ) 4 - كتاب المسائل الكبير ( ذكر ابن السرّاج كلاما منه في أصوله ) 5 - كتاب المسائل الصغير 6 - كتاب المعاياة 7 - كتاب المقاييس ( ذكره ابن جني في مقدمة خصائصه