المنجي بوسنينة
279
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
فهو من ناحية ، عاش في كنف الزنكيّين بحكم إقامته في الموصل قاعدة ملكهم . ومن ناحية أخرى ، فقد رافق السلطان الناصر صلاح الدين في بعض غزواته ببلاد الشام ضدّ الفرنج . إذ يذكر في حوادث سنة 584 ه أنه كان شخصيا مع السلطان صلاح الدين حين نزل تحت حصن الأكراد الواقع داخل « كونتيّة طرابلس » الفرنجيّة ، ولكنّه لا يصرّح هل كان قد رافقه في إغارته على الحصون القريبة من هناك ، وو وصوله إلى قرب طرابلس الشام حيث « أبصر البلاد وعرف من أين يأتيها ، وأين يسلك منها » ، ورغم ذلك ، فإننا نصبح أكثر ثقة وتثبّتا بما يرويه « ابن الأثير » عن هذه المنطقة في تلك الحقبة ، فهو الأقرب إليها زمانا ومكانا ، وهو هنا يماثل « العماد الأصفهاني » ( ت 597 ه ) بمعاصرته ومعايشته للأحداث ، ومعاينته ومرافقته لصلاح الدين ، وكذلك الأمر بالنسبة للمؤرّخ « بهاء الدين بن شدّاد » ( ت 632 ه ) صاحب « النوادر السلطانية في المحاسن اليوسفيّة » . وإذا كان « ابن الأثير » قد اعتمد في تاريخه على كتاب تاريخ الرسل والملوك ل « ابن جرير الطبري » ( ت 310 ه ) اعتمادا أساسيّا ، وصرّح بذلك في أكثر من موضع ، فإنه أتى بأخبار ووقائع لم يذكرها الطبريّ في تاريخه . إذ من الملفت للاهتمام ، ويدعو للتساؤل والاستغراب ، أنّ « الطبريّ » ، مع تتبّعه المسهب لحركة الفتوحات الإسلامية في أقاصي بلاد الشرق وبلاد الغرب ، فإنه يهمل الحديث تماما عن كيفيّة فتح المسلمين للساحل الشاميّ ، وخصوصا للمدن المعروفة : بعلبكّ ، طرابلس ، بيروت ، صيدا ، وصور ، وغيرها من مدن الساحل ، مع أنه يعرف ساحل الشام جيّدا ، وتحديدا ساحل دمشق ، بشكل خاص ، فقد زاره أثناء طلبه للعلم ، ونزل بيروت وأقام فيها مدّة وقرأ القرآن بالروايات العشر على حافظها المقرئ « العبّاس بن الوليد بن مزيد العذري البيروتي » ( ت 271 ه ) ، فأتى ابن الأثير ليسدّ هذه الثغرة في « الكامل » ، فنقل خبر تلك الفتوحات عن « فتوح البلدان » ل « البلاذريّ » ( ت 279 ه ) . وهذه القضية واحدة من جملة قضايا أهملها الطبريّ وعمل ابن الأثير على إثباتها وتدوينها اعتمادا على المصادر القديمة المعروفة لدينا ، أو المصادر القديمة المفقودة التي لم تصلنا . وبذلك يكتسب الكامل نقطتين على تاريخ الطبري : الأولى : إحاطته لمعلومات إضافية مهمّة ندّت عن الطبري . الثانية : حفظه لنصوص أخبار ضاعت مصادرها الأساسية . وفي هذا السياق ، لا بدّ من الإشارة إلى المنهجية التأريخية التي انتهجها « ابن الأثير » في « الكامل » ، وهي إسقاطه للروايات المتكرّرة التي حشدها الطبريّ في تاريخه ، ونقده لها ، والأخذ بصحيحها ، وتهذيبها من الأسانيد المثلة للرواية والخبر ، وأظهر بذلك حسّه التأريخي الواضح والمتفوّق عمّا عداه من العلوم والفنون التي شارك فيها . وإذا كان قد حذا حذو الطبريّ في تأريخه لبداية الخلق والزمان وصولا إلى البعثة النبويّة وظهور الإسلام ، مرورا بتاريخ الرسل والأنبياء ، فإنّه لم يسلّم بكل ما نقله عنه ، بل