المنجي بوسنينة

276

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

هذا الباب أو لعله كله من عمله . والثاني في الفصاحة والبلاغة . والثالث في البيان والبديع . والرابع في الحقيقة والمجاز . ثمّ اتّجه إلى الدرس البديعي فأجاز منه سبعين لونا فرقها على سبعين بابا بدأها بالاستعارة وأنهاها بذكر الشعر وما يتعلّق به ، ثمّ تناول بالحديث حلّ الشعر والآيات والأحاديث ، فحدد كلّ قسم وبيّن موقفه منه ، وشرح للناثر ما ينبغي أن يراعيه إذا أراد حلّ بيت أو آية أو حديث . ويمكن ملاحظة مجموعة من الملاحظات البالغة الأهمّية التي كان يمكن في ضوئها أن تتغيّر مسيرة الفكر البلاغي والنقدي عند العرب ، خاصة بعد أن جنح الفكر البلاغي إلى التقسيم والتفريع والعناية بالحد والرسم وسوق شاهد أو شاهدين ، حتّى صارت البلاغة إلى الأقيسة المنطقية أقرب . وربما بدأ ذلك منذ السكاكي ومن تابعه حيث بدأ تقسيم البلاغة إلى علوم ، لكل علم حدّ ومباحث وشواهد ، وبدأت المفاضلة تعرف طريقها إلى هذه العلوم . جاء عماد الدين بعد السكاكي الذي وضع بذرة التقسيم فلا يوافق عليه ، لأنه لا يرى الفصل بين علوم البلاغة جملة ولا بين البيان والبديع تفصيلا . وما ذاك إلّا لأن الفلسفة التي قامت عليها فكرة التقسيم - وهي الفصل بين اللفظ والمعنى - فلسفة غير صحيحة ، فما من باب من أبواب البديع والبيان إلا وله تعلّق باللفظ والمعنى على نحو يعسر معه الفصل بينهما . ومن ثمّ يرى أن تعريفات البلاغيين المتأخرين للبيان تعريفات قاصرة ومضطربة . وهذا يعني أنه يعود بالبلاغة العربية إلى ما كانت عليه من قبل فيطلق على كل فنونها مصطلح البديع فالاستعارة مثلا هي لديه أول أبواب البديع كما كانت عند ابن المعتز ، بل إنه يدخل في دائرته النقد الأدبي أيضا . ومع ذلك لا يضيّق فنونه إلى خمسة كما فعل ابن المعتز ، ولا يسرف فيها ذلك الإسراف الذي بلغ بها ابن أبي الإصبع - أحد أسلافه - إلى خمسة وعشرين ومائة فن . تخلص عماد الدين من ذلك التشقيق والتفريع وإطلاق أسماء متعددة على الفن الواحد مما أدى إلى تورّم البديع وإلى فوضى في المصطلح معا . كما حاول أن يحرّر المصطلحات تحريرا دقيقا . ولتحقيق غايته راح يرد الفروع البديعية المتعددة إلى أصل واحد ، فالترديد والتصدير وردّ الأعجاز على الصدور ، والتعطّف والمشاكلة يجمعها في باب واحد ، ويسوّغ هذا الجمع بقوله : « فإن كل هذه الأبواب مادتها واحدة » . وفعل مثل هذا كثيرا ، فالإغراق والغلوّ والمبالغة باب واحد ، والكناية والتعريض والإرداف والتتبيع والأحاجي والألغاز باب واحد ، والطباق والمقابلة والتكافؤ باب واحد ، وهكذا . وفي مقابل ذلك نجد الإكثار من الشواهد المنتقاة على نحو قل أن نجد له نظيرا في كتب معاصريه ( بلغت الشواهد الشعرية وحدها ألفين وخمسمائة وخمسة عشر بيتا عدا أنصاف الأبيات ، على الرغم من أنه يعتذر في بعض المواضع عن عدم ذكر ما هو أكثر رغبة في الاختصار وخوفا من الإطالة ) ، لأنه أدرك أن سوقه للشواهد من أهم الوسائل التي تصقل الذوق وترهف الحسّ ، ومن ثمّ لا غرو أن عزف عن الرديء منها ، لأنه لا يصقل ذوقا