المنجي بوسنينة
256
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
بالآستانة سنة 1888 م دعاه المجمع العلمي السويدي باستوكهولم ، لكنه لم يقبل الدعوة احتجاجا على عدم التزام عبد الحميد بالشروط . ورجع إلى الحجاز ، ثمّ ارتحل إلى القاهرة التي وضع فيها عصا الترحال ، وكان موضع تكريم علمائها أمثال توفيق البكري ومحمد عبده ورشيد رضا ومحمود البارودي ، فاشتغل بالتدريس في الأزهر حيث جمع معه التأليف وتحقيق علوم التراث العربي حتّى وافاه الأجل المحتوم وهو في آخر تحقيق كتاب « المخصّص » لابن سيده ، فكان منقطعا للمطالعة والتدريس ، يصل ليله بنهاره إلى أن أتعبه الجلوس وإطالة نظر الكتب ، فكان يردّد قولته المشهورة « أنا قتيل المخصّص ، أنا قتيل الكتب » . وقد ترك ابن اتلاميد مكتبة غنيّة تبلغ ( 2000 ) كتاب أكثرها مخطوطات بقيت منها ( 600 ) هي الآن مودعة في دار الكتب المصريّة . وكان ابن اتلاميد موضع إعجاب وتقدير للعلماء الذين التقى بهم . يقول في وصفه أحمد الزيات : إنّه هيكل ضئيل وبدن نحيل ووجه ضامر ولون أخضر وصوت خفيض ، فمن يراه أوّل مرّة لا يصدّق أنّ هذا الجرم الصغير قد جاب البرّ والبحر ، وطاف الشرق والغرب ، وكافح الأنداد والخصوم ، ووعى صدره الضيّق معاجم اللغة وصحاح الستّة ودواوين الشعراء وعلم الأدب . خلّف ابن اتلاميد آثارا علميّة لا نظير لها خصوصا في ما يتعلق بالجانب اللّغوي والأدبي ، ونذكر منها على سبيل المثال : - تصحيح لكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ، وقد نشر هذا الكتاب بفضل جهود الإمام محمد عبده الجواد الأصمعي سنة 1334 ه وقد استدرك ابن اتلاميد على صاحب الأغاني ، وعلّق عليه وصحّح له بعض الأخطاء . - كتاب الدرر في صرف عمر : وهي مسألة لغوية أثارت جدلا وخصاما بين ابن اتلاميد مع بعض العلماء في المشرق ، وكان من بينهم أحمد بن الأمين الشنقيطي ، يقول ابن اتلاميد في مسألة صرف عمر : « إنما صرفتها بالأدلّة القاطعة والشواهد الصريحة ، وخطّأت جميع النحويين من سييويه إلى ابن هشام في قولهم إنّ عمر ممنوع من الصرف لأنّه معدول عن عامر ، وقد جمعت من الشواهد على صرف عمر مائة بيت ونيفا » . وقد ألّف في الردّ عليه أحمد بن الأمين الشنقيطي رسالة نشرت في القاهرة في حياة ابن اتلاميد يقول : « أمّا قوله إنّه وجد مائة بيت فهذا على تقدير صحّته لا يثبت صرفه ، لأنّ النحاة جعلوا معتمدهم في ذلك سماع العرب يمنعونه نثرا ، وأجابوا عن ذلك بأنّ الأبيات ضرورة الشعر ولا محيد عنه للشاعر » . - الحماسة السنيّة الكاملة المزيّة في الرحلة العلميّة الشنقيطيّة التركزيّة : هي مؤلّف أدبي موسوعي يحتوي الجزء الأوّل منها على مقدمة وخمس قصائد في الفخر والحثّ على طلب العلم والحنين إلى الوطن ورثاء الأندلس ، أمّا الجزء الثاني فيتضمّن مجموعة من القضايا العلمية الساخنة بينه وبين علماء المشرق ، وقصائد تتعلّق بالمناظرات والنقائض التي جرت بينه وبين هؤلاء ، وفي هذه الرحلة سجّل ابن اتلاميد صورة حيّة عن رحلته العلميّة وما لاقاه فيها من متاعب ، وما نشر فيها من علوم كثيرة وعلاقته مع العلماء