المنجي بوسنينة
189
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
للأبهري ، إلى جانب مؤلفاته الأخرى ، اكتسب أهمّية كبيرة خاصة في الحياة الفكرية في الدولة العثمانية ، فقد استعمل هذا الكتاب على نطاق واسع في تلك الفترة ، وهذا ما تبيّنه الإشارات التي كانت موجودة في الكتب التي استنسخت آنذاك . وتكشف النسخة الموجودة في المتحف الأثري بأدرنة تحت رقم 596 أن هذا المؤلف استعمل من قبل بعض المدرسين في مدرسة القاضي فخر الدين محمد مثل يونس بن محمد وقيوجاكلي زاده محمد عاطف ، كما كان معروفا أن أبا إسحق القرماني ، وهو من تلامذة قاضي زاده الرومي وعلي القوشجي ، استفاد من هذا الكتاب . [ I . Fazlioglu , « Hendese - osmanli donemi » , DIA , XVI , 199 , 202 - 203 ] . يرى الأبهري أنّ المنطق يمثل العلم الأول ، ويعرّف بكونه كائنا مدركا ومفكرا ، ويربط ماهيته بالمعرفة ، ويختلف عن شيخه فخر الدين الرازي في مسألة التصور والتصديق ، فهو يرى أحيانا أن المعرفة تكتسب قيمتها من جمعهما بعضهما ببعض ، وأحيانا أخرى بفصل الواحد عن الآخر . وكان رأيه يتلخّص في أنّ المعلومة إذا كانت إدراكا لماهية الشيء تدعى « التصور الصامت » ، أمّا إذا كانت إدراكا لحكم يصدره العقل فتدعى بالتصديق ، كما لم يتبنّ الأبهري رأي الرازي الذي يقول بأن التصوّر أمر فطري وليس مكتسبا ، بينما يقول الأبهري إن المعلومة التصويرية والتصديقية تمتلك جوانب فطرية ومكتسبة في آن واحد . وأبرز دليل على ذلك ظهور تباين في الآراء بين أصحاب المعرفة وأصحاب العقل . ويؤكد الأبهري أن المعرفة في هذا التباين تظهر نتيجة الفكر ، فالفكر يحدث دائما نتيجة البحث عن الخطأ أو الصواب وتبني الاحتمالات لكل من هذا أو ذاك مما يعني أن قواعد المنطق تبرز نفسها بوضوح في هذا المضمار . ولا يمكن الادعاء خلال فترة تشكل المعرفة بأن قواعد المنطق التي تحول دون ارتكاب العقل للأخطاء قد ظهرت بالفطرة ولا حاجة لتعلمها ، وكذلك لا يمكن القول بأنها صفات مكتسبة فيما بعد ( أي بمرور الزمن ) . ولكن لو كانت قواعد المنطق فطرية لما حصل تباين في الآراء ولما تمّ ارتكاب الأخطاء ، وهما يحدثان باستمرار . وكذلك لو كانت هذه القواعد مكتسبة بمرور الزمن لما أمكن تفسير كيفية ظهور أشخاص ذوي ذكاء حاد دون أن يتلقوا تعليما أو تدريبا في علوم المنطق أو يحتاجوا إلى استعمال قواعده ، إلّا أنّ مثل هذه العقول الذكية كانت دائما حالات نادرة ومستثناة . وعلى هذا يكون الأبهري مؤكدا على أنّ للمنطق جوانب فطرية ومكتسبة مثلما للمعرفة هذه الجوانب نفسها . ويتّبع الأبهري تقليدا شبيها بالتقليد الذي بدأ به « الفارابي » وهو تقسيم مواضيع المنطق إلى « التصورات » أو المفاهيم ، وإلى « التصديقات » أي الأحكام . وأرجع الأبهري المعرفة إلى أساس نفسي ، فهو يؤكد أنّ المعرفة هي الجوهر المغاير الذي يجعل النفس في حالة اتصال مع الجسم ومسيطرة عليه . ويؤكد أيضا وجود أي موضع للنفس بتاتا . وإلى جانب ذلك يعتبر الأبهري المعرفة شيئا نظريا مجردا بسبب استيعابها